مصطفى الكاظمي في العراق: خطة وطنية أم شراء للوقت؟
جويس كرم

أربعة أشهر على استقالة عبد المهدي وفشل الطبقة السياسية العراقية في تشكيل حكومة توافقية أوصل هذا الأسبوع إلى ترشيح الكاظمي، الأقل تصادما من غيره مع اللاعبين الداخليين والإقليميين والدوليين. فالرجل يأتي من خلفية استخباراتية وأكاديمية كرئيس لجهاز الاستخبارات منذ 2016، وكاتب ورئيس منظمة حقوقية في المنفى بين بريطانيا وألمانيا قبل ذلك. وفي قيادة الاستخبارات في مرحلة حساسة، نجح الكاظمي في التوفيق بين مصالح الأميركيين والإيرانيين بمحاربة “داعش” وخلق توازنا سيكون العراق بأمس الحاجة إليه اليوم.

فالكاظمي وبعد اتهامات له بأنه كان على علم بالضربة الأميركية ضد قاسم سليماني في 3 يناير، حضر جنازة القائد الإيراني ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية أنه زار بيروت واجتمع مع قيادات في “حزب الله” مطمئنا إياهم حول حيادية الاستخبارات العراقية.

التوافق الداخلي في الصور على الأقل حول ترشيح الكاظمي وتجمع كافة الأفرقاء العراقيين لتهنئته يلعب أيضا في مصلحة الرجل وكونه ليس من الأحزاب السياسية التقليدية، وهو من جيل السبعينيات الذي ذاق الأمرين في عهد صدام حسين إنما أدرك صعوبة مرحلة ما بعد سقوطه والانتهاكات المستمرة اليوم للسيادة العراقية.

الكاظمي وأي رئيس وزراء عراقي هو في موقع لا يحسد عليه اليوم في مواجهة أزمة اقتصادية وعجز يتخطى الـ 24 مليار دولار، بطالة تزيد عن الـ 25 في المئة، اضمحلال الخدمات المعيشية وفساد مستشر داخل الطبقة السياسية. هذا عدا عن الحفرة السياسية التي وقع فيها العراق في ظل التفتت الميليشياوي، واستفراد إيران بقراره هذه الميليشيات السياسي، والدور المفضوح لإسماعيل قآاني، رئيس فيلق القدس، في تنسيق عملياتها وزيارتها هذا الشهر والاطمئنان على الذخيرة والجهود اللوجستية بعد غياب المايسترو قاسم سليماني.

أي حكومة عراقية جديدة ستواجه تضاربا سريعا بين واشنطن وطهران حول ملفات صواريخ الباتريوت، والوجود الأميركي في العراق، والتعامل مع الاحتجاجات، ومصير الميليشيات. وباء كورونا وانتشاره في العراق بحالات أكثر بكثير مما تقر في السلطات بحسب رويترز، سيزيد من حجم الضغوط الاقتصادية على أي حكومة مقبلة. فأسواق النفط متأزمة، والركود الحالي في العراق سيضاعفه ركود عالمي في الشهور المقبلة.

رهان بغداد على إيران أو أميركا لن يحل المشاكل الاقتصادية ولن يشتري الأمن، فالأزمة أصعب من ذلك ومفاتيح الحل هي في قرارات عراقية أولا تتعاطى مع مصالحة داخلية متأخرة منذ سقوط صدام حسين. هكذا مصالحة يجب أن تراعي التمثيل النسبي لجميع الفئات العراقية، وتطبيق قانون النفط والغاز، والتعاطي المباشر مع ميليشيات مذهبية وتقوية السلطة المركزية. هكذا خطوات هي أساسية للمضي بإصلاح اقتصادي، وخطط وطنية، تؤدي إلى دعم إقليمي ودولي لبغداد.

من دون رؤية وطنية جامعة للعراقيين، لا يهم اسم رئيس الوزراء المقبل الذي سيكون دوره صوريا وقرارات حكومته مرتهنة لأصحاب النفوذ والبنادق في بلاد الرافدين. وبين كورونا والتفتت الحاصل في العراق، لا تحتمل بغداد أجندات فاشلة وشخصيات غير قادرة على وقف الانهيار. فأمام الكاظمي اليوم فرصة حقيقية لطي صفحة الحكومات الماضية، وتأليف حكومة ذات أولويات وطنية تراعي التوازن الخارجي، إنما تتعاطى مباشرة مع مشاكل العراقيين. فالانهيار الاقتصادي والتفتت السياسي في العراق ليس من مصلحة لا واشنطن ولا طهران، وهو سيحتم عودة “داعش” سواء بقي الأميركيون أو انسحبوا…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى