مفاوضات سد النهضة: أربع إشكاليات تصعّب الوساطة السودانية

السياسي – عادت مصر لطرق أبواب السودان، وتكثيف الضغوط على مجلس السيادة الانتقالي وحكومة عبد الله حمدوك، لدفع هذا البلد إلى التوقيع على اتفاق ملء سد النهضة وتشغيله، والانضمام إليها في مطالبتها إثيوبيا بالتوقيع. ولا تريد مصر أن تبقى في موقعها طرفاً وحيداً مؤيداً للاتفاق الذي قالت الخرطوم سلفاً إنها توافق على 90 في المائة من بنوده، بينما رفضت إثيوبيا الاعتراف به كلّياً.
وتمثل الزيارة التي أجراها يوم الأربعاء الماضي، اللواء عباس كامل، مدير الاستخبارات العامة المصرية، الذراع اليمنى لرئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، برفقة وزير الري محمد عبد العاطي، للخرطوم، أحدث الخطوات المصرية في هذا الاتجاه، لمحاولة تدارك المزيد من الوقت المهدر بسبب أزمة كورونا وانشغال العواصم الكبرى بها. وتريد مصر منع إثيوبيا بأي طريقة، من المضي قدماً في خطّتها، ورفع سقف التحدي للمصريين بالبدء في ملء الخزان الرئيسي للسد في يوليو/ تموز المقبل، قبل الانتهاء من إنجاز المباني الإنشائية، حتى يكون السد جاهزاً للبدء بتوليد الكهرباء ربيع العام المقبل، إلا بعد الاتفاق نهائياً على قواعد الملء والتشغيل.

وقبل شهر بالتمام، أجرى عباس كامل زيارة للخرطوم عقب محاولة الاغتيال التي تعرض لها حمدوك، وحاولت مصر انتزاع موافقة نهائية من السودان لإعلان قبول التوقيع، لإظهار إثيوبيا طرفاً منقلباً على طاولة التفاوض، ما يُمكّنها من فتح خطوط اتصالات دولية مع الدول الفاعلة في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، لاجتذاب تأييدٍ دولي ومؤسسي لموقفها.

وبعد عودة كامل إلى القاهرة، زار مصر النائب الأول لرئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، المعروف بعلاقته الوطيدة بالسيسي، وأدلى بتصريحات فتحت الباب أمام دورٍ سوداني محتمل للوساطة بين مصر وإثيوبيا. وتلا هذه الزيارة، إطلاق تصريحات أخرى من حمدوك نفسه عن استعداده لزيارة البلدين، في وقت يكثفان فيه معركتهما الدبلوماسية في العواصم الأوروبية، رغم انشغالها بجائحة كورونا، وتكثف فيه أديس أبابا تحديداً حضورها في الإعلام الدولي، لترويج روايتها عن احتياجها لإنهاء احتكار مصر لمياه النيل، كحق لتنمية إثيوبيا ورخاء شعبها.

وقالت مصادر دبلوماسية مصرية إن الوساطة السودانية لحلّ الأزمة ليست محددة المعالم حتى الآن، والرجاء الأكبر منها في المرحلة الأولى التي من ضمنها زيارة حمدوك للقاهرة وأديس أبابا، إعادة الأطراف جميعاً إلى طاولة التفاوض، لكن هناك العديد من النقاط العالقة التي قد تعرقل العودة. وتتمثل هذه النقاط العالقة بأربعة أمور: عدم موافقة إثيوبيا على الصياغة الأميركية للاتفاق، واختلاف مصر والسودان في الرؤية الفنية، استفادة السودان من السد على حساب مصر، وشكل المفاوضات حال عودتها.

وتتمثل أولى النقاط العالقة بأن مصر والسودان، على عكس إثيوبيا، يؤمنان بصلاحية الصياغات التي اتُّفق عليها في مفاوضات واشنطن الأخيرة حول أزمة السد، كنقطة انطلاق جديدة للتفاوض. هذا الأمر لا توافق عليه إثيوبيا حتى الآن، فهي ترفض الاستناد إلى أي من مخرجات الاجتماعات التي أشرف عليها وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين، والتي وقعت عليها مصر منفردة بالأحرف الأولى.
وتتمثل النقطة الخلافية الرئيسية حالياً بين إثيوبيا والصياغة الأميركية للاتفاق، باقتراح ضمان تمرير 37 مليار متر مكعب من المياه لمصر في أوقات الملء والجفاف، كرقم وسط بين ما تطالب إثيوبيا به، وهو 32 مليار، وما كانت تطالب به مصر، وهو 40 مليار متر مكعب. ويأتي ذلك على أن يُترك الرقم الخاص بأوقات عدم الملء والرخاء لآلية التنسيق بين الدول الثلاث. وهنا يأتي الشرط الذي يغضب الإثيوبيين. فمن وجهة نظرهم، يتطلب تمرير 37 مليار متر مكعب في أوقات الجفاف، الصرف المباشر من بحيرة سد النهضة، وعدم تمكنها من الحفاظ على منسوبها عند 595 متراً، لتضمن بذلك التوليد المستديم وغير المنقطع من الكهرباء لمدة 7 سنوات على الأقل.

النقطة الثانية تتمثل بعدم التوافق الكامل في الرأي الفني بين مصر والسودان. فهناك اتفاق فني بين الخرطوم وأديس أبابا على ضرورة إبقاء منسوب المياه في بحيرة سد النهضة أعلى من 595 متراً فوق سطح البحر، لتستمر قدرته على إنتاج الكهرباء، بينما ترى مصر أن هذا الأمر غير عادل إذا انخفض مقياس المياه في بحيرة ناصر عن 165 أو 170 متراً. وكانت واشنطن ترى معقولية الطلب المصري ووجاهته في هذا الصدد، بينما لا يرغب الطرفان الآخران في الربط بين مؤشرات القياس في سد النهضة والسد العالي.

والنقطة الثالثة هي أن السودان سيستفيد في الحقيقة، على عكس مصر، من إنشاء سدّ النهضة، الذي سيؤدي إلى استدامة الري في العديد من مناطق حوض النيل الأزرق، وهو أمر سيؤدي بالضرورة إلى تقليل فوائض المياه (بواقي الفيضان) التي كانت مصر تستفيد منها دائماً على مدار قرن من الزمان. فهذه الفوائض تضاف إلى الحصة النهائية لها من دون احتسابها رقمياً، علماً أن الإثيوبيين يبالغون في احتساب تلك الفوائض، ويعارضون بواسطتها الأرقام الرسمية التي تعلنها مصر عن حصتها من المياه.

أما النقطة الخلافية الرابعة، فهي شكل المفاوضات بحال عودتها. فمن جهة، أوضحت المصادر أن هناك رأياً متداولاً في القاهرة والخرطوم، يتجه إلى عدم التمسك بالعودة إلى واشنطن في المفاوضات، بل يمكن الاكتفاء بما أُنجِز فعلاً، باعتبار أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى بعض الحلحلة. لكن هناك رأي آخر، هو الأعلى صوتاً حتى الآن بدوائر اتخاذ القرار في مصر، يتمسك بحاجة المفاوضات لوسيط أو مسهل قوي سياسياً، ويفضل العودة لواشنطن أيضاً، وربما مع عرض انتقال الملف إلى الخارجية الأميركية بدلاً من وزارة الخزانة، وذلك للحصول على ضمانات راسخة لاحترام إثيوبيا لما سيجري التوصل إليه، وعدم انقلابها على الاتفاقات، خصوصاً أنه يمكنها بسهولة الالتفاف عليها بالواقع العملي لإدارتها للسد.

وسبق أن قالت مصادر حكومية وأخرى دبلوماسية في القاهرة قبل زيارة عباس كامل الشهر الماضي للخرطوم، إن مصر قطعت العديد من التعهدات لمساعدة مجلس السيادة السوداني، على مستوى الدعم الفني والمالي في مجالات الزراعة والنقل والطاقة، وإنها ستتوسط لدى بعض الدول لجذب مزيد من المساعدات والقروض. كذلك ستتواصل القاهرة مع عدد من الجهات الدولية المانحة في أوروبا ووزارة الخزانة الأميركية، لدعم موقف السودان في المطالبة بالحصول على عدد من القروض التنموية وإسقاط مديونيات قديمة، في خطوة غير معلنة. ويأتي ذلك على الرغم من أن السودان طلب منذ شهور مساعدة مصر في هذا الأمر، على هامش اجتماع تنسيقي حكومي، لكن السيسي ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي ومستشاريهما لم يعطوا الأمر اهتماماً في حينه، ما فسرته المصادر بأنه “محاولة مصرية لخطب ود السودانيين واستمالتهم في قضية مفاوضات سد النهضة المتعثرة”.

وتتمسك إثيوبيا بما تصفه “حق شعبها في استغلال موارده الطبيعية”، بإنشاء السد وإنجاز بنائه في الشهور المقبلة، بالتوازي مع بدء حجز المياه عن السودان ومصر لملء بحيرة السد للمرة الأولى في يوليو/ تموز المقبل بنحو 4.9 مليارات متر مكعب من المياه.

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وقبيل انطلاق الاجتماعات الفنية الحاسمة برعاية الولايات المتحدة والبنك الدولي، صرّح نائب مدير مشروع السد، بيلاتشو كاسا، لوكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية، بأن عملية الإنشاء تتقدم دون أي تباطؤ “كما كان من قبل”، وأنه جرى بالفعل الانتهاء من لوح الوجه الخاص بسد السرج، وهو سد الخرسانة للوجه الصخري، الموجود على يسار السد الرئيسي. وللحفاظ على سلامة تدفق المياه، قال كاسا إنه أُنجز العمل في جانب المجرى، ليصبح السد قادراً على توفير الطاقة المطلوبة حتى 100 عام، حيث سيضم السد 3 مجاري للمياه، بما في ذلك مجرى مائي في وسط السد الرئيسي، وممر للفتحات (قناطر) يمكن أن يسمح بأكثر من 14 مليون متر مكعب من المياه، وممر للطوارئ في الجانب الأيسر من سد السرج.

وتجادل مصادر مصرية بأن إثيوبيا قد لا تستطيع، فنياً، البدء بملء الخزان في الموعد المأمول، بسبب عدم جاهزية الجسم الخرساني للقطاع الأوسط من السد حتى الآن، والمفترض الانتهاء منه قبل شهرين على الأقل من بدء الملء، أخذاً بالاعتبار أن الحكومة الإثيوبية أعلنت أن السد أُنجز بنسبة 72 في المائة فقط، علماً بأن مصر كانت تفضل قبل المفاوضات الأخيرة البدء السريع في فترة الفيضان والرخاء الحالية في نهر النيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى