مقابر أرقام الشهداء – جرم كيان إسرائيل المسكوت عنه

السياسي – في قبور لا تُعرَف لها طريقًا، وداخل ثلاجات تجمّد أجسادًا كانت طرية يانعة في ريعان شبابها، قبل أن يخطف الاحتلال الإسرائيلي أرواحهم وجثامينهم، يرقد 128 شهيدًا فلسطينيًا منذ عام 2015، دون أن تحظى عائلاتهم بقبلة وداع تسبق موكب تشييعهم لقبور تحتضن جثامينهم أمام عيون أحبتهم.

وعلى الرغم من مرور سنوات على اختطاف عشرات الشهداء، ورفض سلطات الاحتلال تسليمهم لذويهم، تتعاظم الجريمة أكثر، عندما يقف العالم على رجل واحدة للمطالبة بإطلاق سراح جثث إسرائيلية، بينما يطبق الصمت إزاء مقبرة الأرقام.

وخلال العقدين الأخيرين، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن بعض مقابر أرقام للشهداء في منطقة الأغوار وشمالي “إسرائيل”.

أرقام!

منسق حملة استرداد جثامين الشهداء ووالد الشهيد “بهاء” المحتجز جثمانه لدى الاحتلال المحامي محمد عليان، يشير إلى وجود 128 شهيد محتجز جثمانه منذ العام 2015، من بينهم 16 جثمانًا لشهداء من القدس، و27 من قطاع غزة، وعشرة جثامين لأسرى قضوا في سجون الاحتلال.

ويضيف المحامي عليان أن ما تسمى بـ”محكمة العدل العليا” الإسرائيلية، ترفض النظر في أي طلب متعلق بالإفراج عن هذه الجثامين، بعدما منحت حكومة الاحتلال تصريحا بحجزها، بداعي التفاوض مع المقاومة الفلسطينية؛ لاسترداد “جثامين الجنود” في غزة.

وعام 2019، أقرّت ما تسمى بـ”المحكمة العليا الإسرائيلية” باحتجاز الجثامين، لاستخدامها ورقة مساومة في المستقبل، ومبادلتها مع أسرى إسرائيليين تحتجزهم حركة المقاومة الإسلامية “حماس” في قطاع غزة منذ 2014.

ويردف “عليان”: “مبرر الاحتلال غير قانوني؛ لأن عملية احتجاز جثامين الشهداء كانت سابقة لعملية أسر جنود الاحتلال في غزة، كما أن المحكمة حددّت حجز الجثامين لمن يقومون بعمليات كبيرة او ينتمون لحماس، وعددهم قليل جدا مقارنة بالعدد الكبير المحتجز من الشهداء الأطفال”.

وعلى صعيد جهود استرداد الجثامين، يشير المحامي إلى أنّ عملية تدويل القضية لم تأخذ حقها من الجهات الرسمية، ولا يزال العمل يتخذ مسارا فرديا من عوائل الشهداء.

ويردف ضيفنا: “جرى اجتماع مع مسؤولين بالسلطة الفلسطينية لتبني الموضوع ورفعه لمحاكم دولية؛ لكنّها لا تزال غير مقتنعة، على الرغم من أن مسؤولين بجنيف أخبروني أن القضية تعدّ تمثيلا بالجثامين وتعذيبا، وهي قضية تنطبق عليها مواصفات الجرائم التي تنظر بها المحكمة”.

ويلفت “عليان” إلى أنّ مسار الملاحقة القانونية تحتاج لدعم مالي وسياسي ولمسار رسمي، وهو ما لم توافق عليه السلطة لهذه اللحظة.

ملف المفقودين..

إضافة لهؤلاء الشهداء، تحتجز سلطات الاحتلال قرابة 249 شهيدا تحتجزهم بمقابر الأرقام المجهول مكانها، بينما لا يزال مصير 88 جثمانا مجهولا.

إلى ذلك، يقول مدير مركز القدس للمساعدة القانونية عصام العاروري، إن هناك 74 مفقودا، تدعي سلطات الاحتلال عدم وجود بيانات لهم في السجلات.

واستدل العاروري بحادثة الأسير الشهيد أنيس دولة الذي استشهد في الأسر بسجن عسقلان عام 1980، “فقد تم نقله لمعهد الطب الشرعي “أبو كبير”، ثم اختفى جثمانه ولم يسلموه، وتذرعوا بعدم وجود سجلات في تلك الفترة ويصعب تحديد مكان دفنه”.

ويوضح “العاروري” أن الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، سلمت قائمة بـ121 جثمان لمعرفة مصيرها، وادعى الاحتلال أن عشرة منهم لا يعرف شيئا عنهم.

ويرجع “العاروري” هذه المسألة إلى العبث والإهمال من جهة، وإلى وجود تقارير تفيد بأنه جرى استخدام بعض الجثامين للتجارب في الطب الشرعي بحسب ما اعترف به مسؤولون إسرائيليون.

ويبين أن عدد الجثامين الموجودة في الثلاجات انخفض إلى 10 جثامين، ثم ارتفع عام 2019 إلى 51 جثماناً، وفي 2020 ارتفع إلى 66 جثماناً، وهذا العام يوجد جثامين 103 شهداء في ثلاجات الاحتلال، منهم أمهات وأطفال وأسرى ارتقوا في المعتقلات، بينهم سامي بارود من قطاع غزة والمحكوم مؤبد ولا يزال في ثلاجة الاحتلال.

ويلفت إلى أنه جرى استرداد بعض الجثامين المحتجزة منذ العام 1970، خلال مراحل مختلفة سواء عام 2008 أو 2012، لكن الاحتلال ادعى بعد عام 2000 إحالة الاحتفاظ بالجثامين لشركة خاصة، وهي لا تملك ملفات عنهم.

حول مبررات الاحتلال الاستمرار في الاحتفاظ ببعض الجثامين، يوضح العاروري أن “الاحتلال يدعي عدم رغبته إقامة جنازات تتحول لأعمال مخلّة بالأمن وفق ادعاءه، أو تمجيد ما قام به الشهداء”.

ويدّعي الاحتلال أن بعض الجثامين المحتجزة منذ ستينيات القرن الماضي، تعود لأشخاص جاؤوا من الخارج، وليس لديهم من يطالب باسترداد جثامين الشهداء، إلى جانب إبقاء جثامين الشهداء للمساومة عليهم في قضايا التبادل مع المقاومة، وفق “العاروري”.

ويشير إلى أنّ الحملة لم تجد سجلات تستند عليها في توثيق الجرائم المتعلقة باحتجاز الجثامين، مردفًا: “لا يوجد تقارير موثقة حول الشهداء المحتجزة جثامينهم، فحتى بعض الحالات الجديدة يصنفون أبنائهم بأنهم مفقودين، كونهم غير متأكدين من استشهاد أبنائهم”.

وفي السياق، قال أن الجثمان الذي سلم على أنه للشهيدة دلال المغربي، تبين عبر فحوصات “DNA” غير صحيحة ولا تعود للشهيدة دلال، كما أن بعض الجثامين التي تسلمت كانت عبارة عن أشلاء مختلطة لأكثر من شخص، منوهًا إلى أنّ الحملة طالبت بتأسيس مكان والاحتفاظ بعينات لتسهيل الوصول إلى معرفة الجثامين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى