مقترحات صلاح الدين سيدهم لدخول مرحلة جديدة في ثورة الحراك الشعبي
بشير عمري

بات واضحا أن الحراك الثوري من خلال مرحلته الثانية التي تفجرت مع الذكرى الثانية لاندلاعه، أي في 22 من الشهر الحالي، قد انفتح على أسئلة أخرى ورؤى وآليات جديدة في إدارة الصراع بين الشارع والنظام حول أبعاد التغيير وشاكلته، ما جعل الكثير من النخب والشخصيات الحقوقية والسياسية تعمد إلى طرح وجهات نظر خاصة تروم من خلالها الانتقال بالوضع من حالة تعبير ثوري لم تعد تفي بالغرض حالة الفعل الثوري، أي إلى مرحلة جديدة تتماشى وخصوصية الظرف وخاصة الوضع الذي بات عليه الطرفان (الحراك والنظام) وأثر ذلك على مستقبل الأمة.

في الحقيقة ليس يسهل على الحراك تحقيق الانتقال المرحلي، طالما أنه يفتقر للاطار لا نقول التنظيمي وإنما التوجيهي الذي تضع معالمه نحبة صادقة في ثورتها السلمية على النظام القائم، وهذا ما اتضح بجلاء في عودة الحراك إلى الشارع على ذات الشاكلة وبنفس الخطاب ونفس المطالب والشعارات التي تردد، وهو ما يعني منطقيا البقاء في المربع الأول حتى لا نقول العودة إليه.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

والواقع أن عدم تقدم الحراك مرحليا، لا يعني بالحتم سوى كونه لا يزال يُواجه من قبل آلة النظام وخبرته الطويلة في احتواء حركات الاحتجاج التي كانت تطاله على مدى العقود والسنين، مذ فشل مشروعه الوطني نهاية سبعينيات القرن الماضي، يوم كانت له القدرة على سحق حركات الرفض والاعتراض على مشاريعه، لكونها كانت تجارب معزولة مفصولة بعضها عن بعض، بل كان يحرص على أن تظل مفصولة ومنفصلة عن بعضها عبر تغذية العداء الايديولوجي والجهوي، حتى إذا ما بلغ المجتمع مرحلة النضج الكبير بفعل توافر عناصر عدة، منها ارتفاع مستوى التعليم، اتساع نطاق الوعي الوطني خارج أطاريح وفكر المنظومة الحاكمة منذ 1962، وخاصة عنصر تجربة الحرب الأهلية المريرة التي تبين أنها جاءت وفق المقول الشهيرة ربَّ ضارة نافعة، كونها كشفت المستور بشأن القوى التي تعمد إلى خلط الأوراق والدفع بالشعب كله في مسرح مظلم يُسلخ فيه جلده دونما رؤية حقيقية للجاني، وجد النظام نفسه حيال خصم جديد بوزن جديد على حلبة التاريخ.

ولقد شدني مقترح الحقوقي والسياسي المعارض الشهير الدكتور صلاح الدين سيدهم من ستة نقاط والذي نشره بصحيفته الاليكترونية يومية الجزائر الناطقة باللغتين العربية والفرنسية، مصدرا إياها بدباجة مقتضبة ضمنها، كشف محاولات المنظومة الحاكمة من خلال مصالحها الخاصة في زرع بذور الانشقاق والنزاع بين صفوف الحراك الثوري، من خلال إيقاظ فتن الاختلاف الألسني، والتنوع الثقافي، والخلفيات الأيديولجية، بما يمكنه في الأخير من تنضيب سشيئا فشيئا الحراك من أبرز عناصر القوة فيه وهي الوحدة الشعبية المتعالية على كل النعرات والحزازات التي كانت دوما مصدر القوة والمغذي الرئيس للنظام السياسي القائم في البلاد منذ عشية الاستقلال.

وأهم ما أشارت إليه دباجة نص المقترحات التي قدمها الدكتور صلاح الدين سيدهم، هو إيراده لحضور المكون الحزبي المصطنع داخل الحراك ليس ليعبر عن صوت الحراك، المتسامي والقاطع مع المرحلة السابقة (ديمقراطية الواجهة، والمسرحيات الانتخابية) بل لتكريس الاختلافات الايديولوجية من خلال إثارة مسائل الهوية الوطنية وافتراء الطعن في مكوناتها من هذا الطرف أو من ذاك، بغية إحداث فجوة داخل جسد الحراك قد تتحول إلى هوة تصيب الثورة الشعبية بمقتل.

وحتى قبل أن يعدد عناصر مقترحه الستة، بادر الدكتور صلاح الدين سيدهم أولا إلى مناشدة الخيريين والغورين من أبناء الثورة الحراكية الشعبية إلى ضرورة تحمل مسئولياتهم والاخلاقية والوظيفية تجاه هاته الثورة، والانتقال بتعبيراتها إلى مرحلة أكثر ديناميكية وجدية، وهذا على أساس المقترحات التي جاءت كالتالي:

– الحرص كل الحرص على أن يسترد الشعب سيادته غير منقوصة من المصادرة التي طالتها طوال ستة عقود من الاستقلال، ذلك لأن سيادة الشعب لا تعلوها قداسة ولا مؤسسة من مؤسسات مهما كان موقعها في هرم بنية الدولة، فإذا كانت ثورة نوفمبر قد استعادت استقلال البلاد فثورة الحراك مطالبة باستعادة سيادة الشعب.

وحرص الدكتور صلاح الدين سيدهم على أن يظل الاعتبار قائما لثالوث المكون الخصوصي للذات الوطنية، وهو الاسلام، العروبة والأمازيغية، كثابت في الوعي وفي الوفاق الوطني وغير قابل لا للمساومة أو الاعتمال السياسوي.

– ثاني وصيا الدكتور صلاح الدين سيدهم في منصوص اقتراحه، خصَّ به مسألة حقوق الانسان التي بتلاعبه بها، أدان النظام السياسي في الجزائر كغيره من نظم الاستبداد الأخرى نفسه بنفسه، ووضع بسبب ذلك ذاته عرضة للرفض والنقض المجتمعي طيلة سنوات حكمه، فأوصى هنا الدكتور بضرورة أن يجمع ثوار الحراك على هاته المسألة وجعلها أساس البناء الجديد للإنسان الجزائري حتى لا يعاد ظلمه.

– أما ثالث الوصيا التي تقتضي التبني من الكل، هي مسألة التسيير الديمقراطي الشأن العام كمبدأ لا جدال أو سجال فيه، وعدم التفريط فيها بوصفها الآلية الوحيدة لضمان السيرورة المثلى للحياة الوطنية في ظل الشفافية التامة.

– وبخصوص الحياة السياسة وما تستلزمه من حرية ونقاوة، فلم يفت الدكتور صلاح الدين سيدهم، التركيز على ضرورة أن يظل الوعي الحراكي الثوري متيقظا حيال مسألة البوليس السياسي، ولزوم حله ونبذه واستئصاله بما يمكن المجتمع من تلافي كل معوقات التعبير الصحيح والجدي عن قضاياه وقناعاته العامة بلا وجل و لا فزع ولا خوف.

– وفي المقترحين الخامس والسادس، اللذان خصصهما الدكتور سيدهم لمسألتي الفصل بين السلطات، وتحييد المؤسسة العسكرية نهائيا وفعليا من العمل السياسي، فقد لخصتا بشكل جلي معالم البعد “المدني” وطابعه المؤسساتي الدستوي الذي تهفو إليه ضمائر وأفئدة كل شرائح المجتمع الجزائري، فالحرص على مسيألة تحقيق الفصل بين السلطات، لا يعني شيئا سوى أن ثمة سلطة طاغية تستهدف ببقاء طغواها ارتهان المجتمع وخيراته لصالحها، فوحدها استقلالية السلطة التشريعية، والقضائية عن الجهاز التفنيذي ما سيحقق المدنية الفعلية للدولة، دون ذلك ستظل ديمقراطية الواجهة المدنية للحكم ماضية ومعها المجتمع متوقف.

إذن على الحراك أن يتجاوز مرحلة الاحتجاج بالشعارات ليلج مرحلة المبادرة التي تعكس حالة النضج الثوري، على غرار ما تقدم به الدكتور صلاح الدين سيدهم، فلا ينبغي ان تستمر الأمور على نموذجها المرحلي الأول الذي كسر حاجز الخوف وهاجس الضعف حيال إرادة القوى واستعماتلها لدى السلطة.

بشير عمري

كاتب سياسي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى