ملك جمال الأضاحي.. مبروك
د. هيثم الزبيدي

تجد الكثير من عمليات التقليد بين الشرق والغرب. المدن الشرقية نسخة متعثرة من التخطيط الحضري الغربي. الدراما فيها الكثير من النمط الغربي، بل قد تكون نسخة طبق الأصل من الإنتاج الغربي. الأغنية الشرقية الجديدة، في زمن ما بعد التخت الشرقي، هي أغنية تحاكي أساليب موسيقى البوب؛ لو حذفت الصوت من فيديو كليب إحدى الأغاني الشرقية الجديدة وشاهدت مطربا أو فرقة عربية أو تركية لخُيِّل لك أنك تشاهد فيديو كليب غربيّا. الفنون التشكيلية المعاصرة، وخصوصا الرسم، هي مكون من مكونات الثقافة الغربية البعيدة كل البعد عن منمنمات وتخطيطات الشرق الهندسية. جرّب الجلوس على كرسي أو كنبة من طاقم أثاث شرقي جميل ومليء بالنقوش، وستعرف الفرق ولماذا صارت أطقم أثاث الجلوس الغربية هي المفضلة لدينا؛ كدمات الذراع والرجل التي سيُسبّبها لك ذلك الخشب المنقوش بالأصداف لا تجعلك تفكر في الجماليات بعد أن جربت الراحة.

ثمة عالم واسع من التقليد والنسخ له بداية وليست له نهاية. أنا لا أتحدث هنا عن الابتكارات والاختراعات التكنولوجية، فهذه لها عالمها، لكن المدن وُجِدت قبل الثورة العلمية مثلها مثل التمثيل والغناء والرقص والزركشة وصناعة الأثاث.

لكن ليس كل شيء يمكن أن يُنقل ويُعرّب أو يُشرقن (إذا جاز التعبير)؛ هناك بعض الأشياء لا يمكن نقلها لأنها تفقد الكثير من معناها، بل في الكثير من الحالات يتحول النقل إلى نكتة أو كارثة.

وضعية الحيوانات في الشرق تختلف عما هي عليه في الغرب؛ الغربي يعتز بكلبه وقطته ويعاملهما كما يعامل ابنه أو ابنته. والكثير من الغربيين يعتنون بكلابهم أو قِطَطهم إلى درجة المشاركة بهذه الحيوانات في مسابقات ملك جمال الكلاب أو ملكة جمال القطط. ويوم يفوز الكلب أو القطة يكافأ أو تكافأ مكافأة مجزية قد تكون لحما معلبا أو فسحة في إحدى الحدائق أو كليهما (اللحم والفسحة).

هذا الوجه من وجوه الثقافة مقبول غربيا. لكن، هل نستطيع تعريبه أو شرقنته؟

ها نحن نقترب من عيد الأضحى. الأضاحي جزء من الممارسات الاجتماعية والدينية التي تعود إلى آلاف السنين. ذبح الأضاحي يرتبط في أذهاننا بخصلتيْ الفداء والعطاء؛ لذلك عادة ما يتكرّم ميسورو الحال بالأضاحي على المحتاجين والفقراء.

خذ مثلا مسابقة جمال الأضاحي في إسطنبول. هذه نكتة تبين كم من الصعب شرقنة مسابقات الجمال. في بلدية قضاء “سلطان غازي” اقتيد عشرون عجلا ضخما للمشاركة في مسابقة ملك جمال الأضاحي. وفاز العجل “بابا يغيت” بلقب “ملك الجمال” متفوقًا على منافسيه، وزنا وشكلا. في المركز الثاني جاء العجل “يارين أغاسي” والثالث العجل “قلبلي”.

إلى حد الآن كل شيء تمام. ولكن ينقلب الأمر من النقيض إلى النقيض حين تعرف أيُّ مكافأة تنتظر هذه العجول الفائزة؛ إنها مكافأة الذبح. تذهب هذه العجول إلى المسلخ قبل غيرها. مكافأة الجمال هي التعليق من العراقيب والسلخ والتقطيع. لا أعتقد أن رؤوس العجول المكومة يوم الذبح تتناسب مع الجمال بأي شكل من الأشكال. منظر مخيف، لكنه جزء من ثقافتنا. ما ليس جزءا من ثقافتنا هو مسابقات ملك جمال العجول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى