مليشيا “العصائب” في العراق.. هل نرى الخزعلي بمحاكم مجرمي الحرب؟
عبد الكريم صباح البياتي

في ورشة عمل لمجموعة من الباحثين العراقيين أقيمت أخيراً في لندن، جاءت المليشيات المسلحة المرتبطة بإيران على رأس قائمة أبرز مصادر تهدد الأمن والسلم الاجتماعي وبناء دولة المؤسسات في العراق بعد نجاح القوات العراقية المشتركة وبمساعدة التحالف الدولي في تفتيت تنظيم “داعش” الإرهابي وتحرير كامل الأراضي العراقي من سيطرته.

عملياً لم يأت الباحثون بجديد في هذا الإطار، فالقرار العراقي اليوم يبدو أسيراً إلى حد كبير بسبب تلك المليشيات التي لا تجد حرجاً بالإعلان عن أن ولاءها وأوامرها من طهران لا من العراق، وأثبتت ذلك فعلياً من خلال رفضها قرار الحكومة العراقية، في تموز العام الماضي، المعروف باسم قانون “هيكلة الحشد”، إذ رفضت الانسحاب من المدن التي تحتلها وإعادة أهلها لها؛ مثل جرف الصخر ويثرب والعوجة والعويسات وبلدات أخرى بل وتجاوز بعضها إلى رفض تسليم ما بحوزتها من أسلحة ثقيلة وصواريخ متوسطة المدى حصلت عليها خلال معارك العراق ضد تنظيم “داعش”.

كتائب حزب الله، والنجباء، والعصائب، والخراساني، والأوفياء، وجند الإمام، وسرايا سيد الشهداء، وغيرها من المليشيات التي كان زعيم “فيلق القدس” السابق قاسم سليماني يديرها بشكل مباشر، وتحولت اليوم إلى خليفته إسماعيل قاآني القائد الجديد لفيلق القدس، تبدو هي الخطر الأبرز على العراق اليوم، إن لم يكن الأوحد بعد تحول “داعش” إلى عصابة هزيلة في العراق.

ففي الورشة البحثية ذاتها تصدرت المليشيات تلك مشهد أحداث العنف اليومية في العراق بأكثر من 70%، تتفاوت بين عمليات خطف وقمع متظاهرين أو إطلاق صواريخ كاتيوشا باتجاه مصالح غربية تعتبرها معادية لإيران، كما تمتلك الفصائل ذاتها أجنحة مسلحة متورطة بمجازر بشعة بحق السوريين العزل دفاعاً عن نظام بشار الأسد في إدلب وريف درعا ومناطق أخرى، ومن أخطر تلك المليشيات تنظيماً وعدداً وتاريخاً إجرامياً هي مليشيا “عصائب أهل الحق”، بزعامة المعتقل السابق في سجون القوات الأمريكية قيس الخزعلي أحد أبرز وجوه جرائم التطهير الطائفي والتغيير الديموغرافي في العراق بين 2006 ولغاية 2009، ومتهم بتنفيذ هجمات على قوات التحالف الدولي أيضاً وخطف رعايا غربيين عام 2007.

وحسبما حدده مشروع مكافحة التطرف الأمريكي (cep) فيبلغ تعداد هذه المليشيا ما يقارب العشرة آلاف عنصر، ويمتد نطاق عملها بين العراق وسوريا وتدرب أفراد المليشيا على يد ضباط إيرانيين في معسكرات الحرس الثوري الإيراني.

يحدثني محامٍ عراقي بارز في مكتب الادعاء العام بالعاصمة بغداد بأن سبب إغلاق عدد غير قليل من ملفات التحقيق بجرائم نفذت بالسابق هي لتوصل الضباط إلى أن عصابة المجرم قيس الخزعلي تقف خلفها، وخاصة في ديالى والأنبار ونينوى، ويسرد جملة من تلك الجرائم التي يصفها بأنها تحتاج لتوافق سياسي أعقد من قرار الاتفاق على تسمية رئيس حكومة من أجل تقديم المتورطين فيها، مثل جرائم التغيير الديموغرافي في أحياء بغداد الشرقية وطرد العوائل السنية وخطف وقتل آلاف المواطنين على الهوية، وإقامة سجون سرية، وإنشاء المقابر الجماعية، وتسهيل عمليات تهريب النفط العراقي الخام لإيران وبيع الآثار أيضاً.

ويبين أن قيس الخزعلي يطمح لتكرار نموذج حزب الله في لبنان، وأن يكون بهذا المستوى، لذا فإن محاولة تمدده وتوسع نفوذه باتت تزعج حتى زعماء المليشيات الأخرى الذين يجدونه منافساً لهم، وهو ما يفتح باباً كبيراً من التوقعات حول نزاعات مستقبلية بينهم على غرار نزاع الخزعلي مع جيش المهدي عام 2011 الذي أسفر عن مقتل وجرح عدد غير قليل من الطرفين، وتأسيسه حركة سياسية باسم “صادقون”، ومشاركته في الانتخابات دليل على طموحه العالي في هذا الشأن.

الخزعلي كمجرم حرب أو قاتل مرتزق يجب ألا يختلف مصيره عن مصير مجرمين آخرين خضعوا لمحاكم دولية على جرائم ارتكبت في يوغسلافيا وراوندا، وكمبوديا، وصربيا ودول أخرى شهدت مجازر وفظاعات.

بالتأكيد كان ما ارتكبه الخزعلي أكثر بشاعة منها، ما يجعلنا موقنين بأن الخزعلي سيواجه هذا المصير هي ثورة الوعي العراقية الجديدة في التظاهرات المستمرة منذ خمسة أشهر التي رفضت التدخل الإيراني ولعنت كل أدواته في العراق وهتفت لوطن واحد آمن وحر وكريم يحتضن أهله ولا يهربون من القتلة الطلقاء فيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى