“مملكة نتنياهو” والقلق على الديمقراطية في إسرائيل
حسام أبو حامد

أصبح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في يونيو/ حزيران الماضي، أطول رئيس وزراء إسرائيلي يعتلي سدة الحكم منذ تأسيس دولة الاحتلال، متفوقاً على ديفيد بن غوريون الذي بقي في منصبه رئيساً للوزراء 8475 يوماً. سبق آخر يسجله نتنياهو أيضاً، هو أنه أول رئيس وزراء إسرائيلي يُتهم بارتكاب جرائم، وهو على رأس وزارته، بينما أُجبر سلفه أيهود أولمرت على الاستقالة، قبل أن توجّه إليه تهمٌ زجته في السجن أكثر من عام.
بعد ثلاث سنوات من التحقيقات الجنائية، وجّه المدعي العام الإسرائيلي إلى نتنياهو، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، لائحة اتهام شملت جرائم: الرشوة، الاحتيال، وانتهاك الثقة. يلزم القانون الإسرائيلي أعضاء الحكومة بالاستقالة، إذا وُجِّه الاتهام إليهم، ويُستثنى من ذلك رئيس الوزراء. وبعد فشل نتنياهو في تشكيل حكومة، بعد انتخاباتٍ متتاليةٍ غير مسبوقةٍ العام الماضي، واصل عمله رئيس وزراء انتقالياً، بعد أن استطاع تجنّب الإدانة خلال الإجراءات الجنائية المستمرة، مهاجماً القضاء والشرطة والمدّعي العام، واصفاً تلك الاتهامات بأنها “محاولة انقلاب” بقيادة اليسار ووسائل الإعلام، وأن وراءها دوافع سياسية، ولن تصمد.
قبل أيام، أُعيد انتخاب نتنياهو زعيماً لحزب الليكود الحاكم، تخلّى عن إعلانه عدم حاجته لطلب حصانة من الكنيست، ليتقدّم، في وقت متأخر من ليل الأربعاء (الأول من يناير/ كانون الثاني الجاري) بطلب الحصانة من الملاحقة القضائية. وفي لقاءٍ متلفز مساء اليوم نفسه، أكد عزمه على قيادة إسرائيل “سنوات عديدة قادمة”، وأن قانون الحصانة يتيح له الحماية “من الإجراءات القانونية المتعلقة بالتهم السياسية الملفّقة التي تهدف إلى إلحاق الضرر بإرادة الشعب”.
قبل عام 2005، كانت الحصانة البرلمانية في دولة الاحتلال تُمنح تلقائياً لأعضاء الكنيست. وبتغير القانون، باتوا مطالبين بتقديم طلب رسمي، تنظر فيه لجنة مجلس النواب في الكنيست، ليمرّر بعد موافقة اللجنة إلى التصويت في الكنيست ليصبح نافذاً في حال حصوله على الأغلبية. لكن الانتخابات في سبتمبر/ أيلول الماضي لم تؤدّ إلى تشكيل حكومة، ما يعني غياب هيئة تشريعية عاملة تنظر في طلب نتنياهو بالحصانة، وبالتالي بقاء أي إجراءاتٍ جنائيةٍ ضد رئيس الوزراء في حالة تعليق، على الأقل حتى الانتخابات المقبلة في مارس/ آذار.
في ظل جمود قانوني وسياسي، تصبح الحصانة، مع إعلان الأربعاء، قضية رئيسية في الانتخابات المقبلة. وتفيد آخر استطلاعات الرأي بأن معظم الإسرائيليين يعارضون منح الحصانة لنتنياهو، وتتنبأ بأن يواجه “الليكود” و”أزرق وأبيض” مجدّداً طريقاً مسدوداً، مع عدم تمكّنهما من الحصول على أغلبية برلمانية، لتشكيل حكومة. صحيح أن الحصانة من المقاضاة تنطبق فقط على الكنيست الحالي، وعلى نتنياهو أن يطلب الحصانة مرة أخرى، بعد أي انتخاباتٍ لاحقة، لكن هدف نتنياهو، المتيّقن من تدنّي احتمالات حصوله على الحصانة، هو تأخير الأمور في هذه المرحلة، فليس من المرجّح أن يتناول الكنيست مسألة الحصانة إلا بعد الانتخابات وتشكيل الحكومة، ولا يمكن المضي في عملية المحاكمة إلا بعد البتّ في الحصانة. إنها مناورةٌ سياسيةٌ تحقق لنتنياهو عرقلة لوائح الاتهام بزجّها في معمعة برلمانية على حساب أي عناوين سياسية قد تضرّ به في معركته الانتخابية القادمة، وتساعده، أيضاً، على حشد أنصاره خلف الحصانة غير الممكنة من دون فوزه في الانتخابات.
مزيد من الاطمئنان حظي به نتنياهو بعد يوم من إعلان الأربعاء، إذ قرّرت المحكمة العليا الإسرائيلية تأجيل الحكم في قضية “عدم أهلية نتنياهو”، ورفض الالتماس المتعلق بها حالياً، بدعوى “التصرّف بضبط النفس والاعتدال” في فترةٍ هي أكثر “حساسيةً وتعقيداً في دولة إسرائيل”. المعترضون على القرار يحاججون بأن من حق الناخبين أن يعرفوا قبل الانتخابات ما إذا كان نتنياهو مؤهلاً لرئاسة الوزراء أو لا.
بدأ نتنياهو مسيرته السياسية على أنه ديمقراطي ونيوليبرالي من منظور اقتصادي صارم. لم يكن في صف اليهود المتشددين دينياً، لكنه أدرك لاحقاً أن عليه تغيير أيديولوجيته وفقاً لتحولات المشهد السياسي، فجعلهم شركاء، ولم يتمكّن من الصمود في العام الماضي لولا تحالفاته مع الأحزاب الدينية والدينية المتطرّفة. أحد مكامن قوته انتهازيّته التي مكّنته من تغيير الأيديولوجيا وفقاً لاحتياجاته السياسية، وهو يسعى دائماً إلى ترويج نفسه شخصية تاريخية لن تستطيع إسرائيل من دونها البقاء دولة ًيهودية. هناك في إسرائيل من يحذر من أن منح نتنياهو الحصانة، الذي سيكون أول ما يسعى إليه في حال فوزه في الانتخابات في مارس/ آذار، يُضرّ بشدّة بمبدأ المساواة أمام القانون، وسيشكل هجوماً خطيراً آخر على أسس الديمقراطية الإسرائيلية، وستكون مساعي نتنياهو للتهرب من جرائمه على حسابها. أما بقاؤه في منصبه، مع تلك التهم الخطيرة، فيضعه فوق القانون الذي ستنعدم ثقة الجمهور به. وقد بدأ القلق تجاه الديمقراطية يصبح إحدى أدوات الدعاية الانتخابية المنافسة لنتنياهو، لتبرز مساعيه من أجل الحصانة، واستمراره في منصبه مع تهم خطيرة، فزّاعة للناخب الإسرائيلي تقضي على ديمقراطية إسرائيلية مزعومة.
قد يذكر التاريخ نتنياهو باعتباره صانع “يهودية الدولة”، لكن ذلك سيتلازم حتماً مع الكيفية التي جعلته كذلك، أي بوصفه رئيساً لوزراء دولة احتلال طعّم السياسة الإسرائيلية العنصرية تجاه الأقلية العربية، والأخرى غير اليهودية، بثقافة الفساد، ومنتهكاً شرساً لحقوق الفلسطينيين، وحياتهم اليومية، ساعياً إلى استصدار قوانين أسكتت المنظمات غير الحكومية التي تراقب انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها الجيش بحقهم، وأنه، عبر منطق اللصوصية، في الاستيلاء على الأرض، وفرض سياسة القوة والأمر الواقع، قد أهدر كل الفرص لسلامٍ يضع حداً لصراع طال مداه.
ولا يمكن الدفاع عن الديمقراطية في إسرائيل مع القفز عن تعارضها الجذري مع كيان كولونيالي قائم على الاستيطان التوسعي، في تناقضٍ مع أصحاب الأرض ومحيطها، تدير من خلاله إسرائيل ديكتاتورية عسكرية بحق الفلسطينيين، ولا يتجاهل الرؤية غير الديمقراطية الموغلة في العنصرية لـ”الهوية الوطنية” التي عبّر عنها القانون الصادر تحت رعاية نتنياهو، وينص على أن “ممارسة حق تقرير المصير الوطني في دولة إسرائيل حق فريد للشعب اليهودي”، تلك الرؤية الكافية لإطاحة كل ديمقراطية وجعلها استحالة، من حيث إن الديمقراطية هي وسيلة لإدارة حياة بشر متساوين، بغضّ النظر عن العرق والدين والجنس. ليس على الإسرائيليين أن يختاروا بين “مملكة نتنياهو” و”دولة إسرائيل”، كما ذهب زعيم حزب أزرق وأبيض، بيني غانتس، المنافس السياسي الأهم لنتنياهو، بل بين الديمقراطية ودولة الاحتلال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى