مناعة القطيع.. نظرية مالتوس قيد التفعيل!  
هاني حبيب

من أبرز أسباب الاجتياح الواسع لوباء كورونا في أوروبا أنّ معظم دول هذه القارة العجوز كانت تعتقد أنّ هذا الوباء سيتم حصره حيث نشأ وبدأ، في الصين وربما في جنوب شرق آسيا ولفترة محدودة، لذلك لم تتخذ حكومات هذه الدول في وقتٍ مبكّر تلك الإجراءات والنظم الذي اتخذتها فيما بعد أثر وصول الوباء إليها وتمثّلت هذه الإجراءات والنظم المتأخرة بمنع التجمعات وإغلاق المدارس والجامعات وإعلان حالة الطوارئ، إلاّ أنّ دولة واحدة لم تتخذ مثل هذه الإجراءات وهذه النظم وهي بريطانيا التي تمثّلت سياساتها في بادئ الأمر إزاء هذا الوباء، بما أسمته “مناعة القطيع” لمواجهة انتشار الفيروس أو على الأصح “لضمان انتشاره” إن صح التعبير وذلك قبل أن تضطر حكومة “بوريس جونسون” للتراجع عن هذه السياسية.

تتمثل سياسة “مناعة القطيع” هذه في سعي الحكومة لإبطاء انتشار الفيروس الذي يسبب الوباء عوضاً عن وقفه وذلك في سياق إستراتيجية “التخفيف” التي تفترض إصابة حوالي 80% من المواطنين بالعدوى الذين يصبحوا محصنين ضد الفيروس في المستقبل، بفرضية أنّ هذا الوباء مثله مثل “الحصبة” يصيب الإنسان لمرة واحدة ومن ثم يصبح محصناً ضده، والسؤال عنا عن الـ20% الباقيين من المواطنين الذين ستضحي بهم الحكومة وهم من كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة وذلك تحت شعار البقاء للأصلح والأقوى أو على الأصح البقاء للأكثر ثروة والفناء للأكثر فقراً وضعفاً ولم تدرك حكومة جونسون أنّ هذا المرض لا يوفّر فئة الشباب التي تعاني من نقصٍ في المناعة نظراً لأنّ هذه الفئة العمرية في المجتمعات الأوروبية الأكثر تناولاً للمخدرات والمنشطات الصناعية والكيماوية التي أثبتت التحقيقات العلمية أنها تؤثر بشكلٍ مباشر على اكتساب المناعة نفسها مما يحيل هذه الفئة إلى خانة المرضى اللذين تقل مستويات الحصانة لديها، إضافة إلى أنّ التجربة الصينية في هذا المجال، أكّدت أنّه ليس من الثابت أنّ المرض لا يعود للمريض السابق، أي أنّ مناعة الإنسان ليست بالضرورة كافية لنجاته في حال الإصابة المتكررة، هذه العوامل وغيرها كثير أدت في نهاية المطاف إلى تراجع حكومة جونسون عن هذه السياسة رغم عن عدم قناعتها بهذا التراجع.

تعود سياسة البقاء للأصلح، إلى نظريات عديدة سابقة لعل أهمها النظرية المالتوسية، نسبة إلى البريطاني توماس روبرت مالتوس، والتي أطقتها عام 1798 مع بداية انتقال بريطانيا من الرأسمالية التجارية الإقطاعية إلى الرأسمالية الصناعية وهجرة المزارعون والفلاحون من الريف إلى المدن، الأمر الذي أدى إلى نقص في المواد الغذائية الكافية لسد حاجات السكان وارتفاع أسعارها مع تضخم في الكثافة السكانية وانتشار الفقر والبطالة وظواهر التسوّل والتشرّد والسرقة والجريمة، لعلاج هذه الظاهرة تقول “نظرية مالتوس” بضرورة معالجة الاختلال في التوازن بين عدد السكان من جهة وإنتاج الغذاء الكافي لإطعامهم من جهة ثانية، وهذا يعني بالضرورة الحد من عدد السكان بأي طريقة كانت مما يفرض على الحكومات وضع خطط تقضي بسن قيود للتحكّم في وتيرة تكاثر أعداد السكان وذلك باستعانتها إلى” قوانين الطبيعة” عبر تفشي الأمراض والمجاعات والأوبئة وبقوانين الإنسان من خلال شن الحروب كل ذلك من شأن القضاء على الفئات الضعيفة والفقيرة، ما يؤدي إلى ما تشير إليه هذه النظرية مما تسمية التوازن.

هذه النظرية نشرها “مالتوس” في كتابٍ له يحمل عنوان “مقالة حول مبدأ السكان” والغريب أن مالتوس لم يضع اسمه كمؤلف على غلاف هذا الكتاب هذه النظرية تتجاهل الأسباب الحقيقية وراء عدم التوازن في المجتمع وتزايد أعداد الفقراء والجرائم والتشرد لدى الفئات الضعيفة، وهي أسباب تعود أساساً إلى طبيعة النظام الرأسمالي الاستعماري الذي يتوجه إلى تعمّد عدم توزيع ثروة البلاد بشكلٍ عادل بين مختلف فئات المجتمع الأمر الذي يخلق تفاوتاً طبقياً من شانه أن يجعل ثروة البلاء تحت ملكية نخب محدودة عددياً من كبار الأثرياء والأغنياء في حين أنّ النظام الاستعماري يلحق التخلف والفقر والبطالة للدول الخاضعة للاستعمار، وحتى في ظل نهاية الشكل التقليدي للاستعمار فإن تقسيم العالم على أساس الثروة بين الشمال والجنوب، بين دول غنية وأخرى فقيرة يشير بوضوح أنّ هذه النظرية تعمل في الخفاء ولكن بفعالية من خلال القوانين والنظم  الاقتصادية السائدة وبحيث تبقي على الأغنياء يزدادون ثروة وفقراء يزدادون فقراً، بين دول فاحشة الثراء وأخرى فاحشة الفقر.

إن المؤسسة الدولية الأشهر في تطبيق “المالتوسية” هذه تتمثل في البنك الدولي من خلال عمليات إقراض الدول الفقيرة واضعاً شروطاً تهدف في نهاية المطاف إلى مزيد من إفقار مواطني هذه الدول بعد وقف الدعم الحكومي لاحتياجاتهم وإشاعة الفساد وتشجيعه لدى النخب والمؤسسات الحكومية والسياسية وزيادة دور الشركات متعددة الجنسيات التي تتدخل بطرق مباشرة وغير مباشرة في رسم سياسات وتوجهات هذه الدول، إذاً هذه هي “المالتيسية” التي اتخذت من المؤسسة الدولية وشاحاً تخفي من خلالها وجهها الحقيقي المتوحش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى