منصات الردح الاجتماعي

مهيب الرفاعي

باحث وكاتب سوري مهتم بشؤون الإعلام والدراسات الثقافية 

قد يبدو العنوان اتهاميًا وقادحاً، إلا أنه يلتقي مع ما يجري حاليًا على منصات التواصل الاجتماعي، والتي خسرت جزءًا كبيرً من قيمة الهدف الحقيقي الذي صممت لأجله. ففي خضم الأزمة التي تعاني منها بيروت على وقع انفجار المرفأ  منذ أسابيع، تعالت أصوات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي للتضامن  مع بيروت العاصمة المنكوبة، وتتالت منشورات دعت إلى إيصال المساعدات إلى  مرفأ بيروت، مكان الانفجار، و المناطق المحيطة المتضررة، و المباشرة بأعمال دعم المتضررين بأي وسيلة متاحة وممكنة، سواء بتقديم أغذية أو مسكن أو ملابس. هذا هو المشهد الافتراضي لما عاشه أهل  بيروت والمتضامنون من دول العالم ليل أمس، لتكون كلمات  ” من قلبي سلام لبيروت” و “صلّوا للبنان”  وُسومًا تداولها متفاعلون على منصات التواصل الاجتماعي تضامناً وعزاءً للبنان في مصابه الجلل. إلا أن مشهدًا موازيًا طغى هو الآخر على حسابات بعض النشطاء، على اختلاف جنسياتهم، والذين استغلوها فرصة للسير في اتجاه مضاد  لا تحمد خطوات المزايدة فيه والشماتة، خاصة في ظرف إنساني ربما يكون الأبرز بعد عام 2005.

نحنُ أو بيروت

لم يكن بوسع بعض النشطاء و “الشخصيات العامة”  في الفضاء الالكتروني إخفاء ما يدور في داخليتهم من شماتة صريحة تجاه لبنان وشعبها بعد انفجار المرفأ، الذي يعتبر كارثة إنسانية حقيقية تضرب بلداً صغيراً  جغرافياُ يعاني من مشكلات اقتصادية و سياسية لم يعرف لها نهاية إلى الآن. تأتي هذه التغريدات في إطار مقارنة خبط عشواء بين وضع كل من سورية و لبنان من ناحية من الأجدر بالتعاطف الدولي و المساعدات العاجلة والدعم المالي والوعود السريعة بإعادة إعمار بيروت. هذه المقارنة سطحية ملؤها الاندفاع العاطفي أكثر منه المنطقي والعقلاني، على اعتبار أن كلا الحالتين متباينتان لأسباب سياسية وعسكرية  واقتصادية من جهة، ولأسباب موضوعية ووصفية ترتبط بإحداثيات  ما تعرضت له كلا من الدولتين. ترزح سوريا، مثالاً، تحت وطأة حرب تتداخل فيها العناصر الدولية العاملة في الميدان من جهة، و الفواعل السياسية الدولية التي تحيك خيوط  المفاوضات من جهة أخرى. هذا التداخل و التصارع بين القوى الدولية الفاعلة  أفرز تبايناً في الولاءات و تضارباً داخلًا في أراء الشارع السوري بحد ذاته حول القضية السورية و مجريات أحداثها، و بالنتيجة فإن ما يراه السوريين محط تعاطف واتخاذ إجراءات سريعة وحازمة، يبدو لغيرهم أمراً فوق الإرادة وفوق القدرة على القيام بأي إجراء على الأرض.  هذا الافتراض صائب نوعًا ما في حال لم يكن هناك تعاطف دولي، واللبنانيون جزء من المجتمع الدولي، في كل المرات التي تعرضت فيه دمشق، أو أي من المدن السورية الأخرى، لتفجير بفعل كائنٍ من كان، إلا أن الأمر لم يكن كذلك. يمكن للمتابع أن يعلم أن إلقاء اللوم على اللبنانيين أنهم لم يكونوا بوارد تقديم أي من المساعدات للشعب السوري أو أنهم لم يبدوا أي تعاطف مع ما يحصل في سوريا هو محض افتراء مدفوع بأيديولوجيا تركز على الصراع عنصري النشأة الذي أسّس له ثلّة من المسؤولين اللبنانيين، مرتبط بوجود اللاجئين على أرض لبنان لا غير. أم عن اللبنانيين، فإن ما يربطهم بالشعب السوري لا يخضع لأي من المساومات أو المزايدات، إلا إن كان المراد من إشعال هذه الحرب على وسائل التواصل الاجتماعي هو فتنة القول و النشر و التعليق، و الحشد إن صح الاستخدام.

فكرة وسائل التواصل الاجتماعي قائمة على خلق مجتمع موازٍ للمجتمع الحقيقي، تنتقل عبره النقشات ويتم تداولها وفق خوارزمية و منهجية  تسمح بالربط بين المستخدمين وفق الاهتمامات و الفوائد. مع ذلك، تفتقد هذه الحوارات إلى المنطقية والواقعية في التفسيرات و التبريرات في حالة مثل حالة لبنان الأمس، الأمر الذي يضعنا  أمام إظهار عيبٍ استخداماتي  في هذه المنصات و هو الافتقار للتمييز بين العقلاني والعاطفي، السياسي والإنساني، المادي النفعي والأخلاقي؛ إذ لا يمكن لعاقل أن يستلذّ بمصاب غيره و الشماتة في ما يجري معه تحت طائلة الوقوع في فخ الحجج الزائفة كالعنصرية مثالاً لا حصرًا.

سيكولوجيا الشماتة و “الردح” الالكتروني

ما اعتد به نشطاء العالم الافتراضي ومشاهيره خلال الساعات التي تلت انفجار بيروت، وبعد سماع أخبار الدمار الهائل الذي طاول عمق بيروت، يعيدنا إلى فرضية “العالم العادل” و التي تنادي بأن البشر يميلون إلى القول إننا نميل إلى رؤية العالم الذي نعيش فيه على أنه عالم عادل، وما يقترفه الآخرون من سوء تجاهنا يعود عليهم بالأسوأ. وبالمحصلة، فإن ما حدث في بيروت برأي هؤلاء هو ليس بمحض الصدفة أو بفعل فساد سياسي حاصل و تراكمات لفشل في إدارة البلد، بل هو انتقام من اللبنانيين على خلفية مجموعة أحداث محورها اللاجئون السوريون في لبنان.  هذه الادعاءات عززت الاستقطاب السياسي و الاجتماعي، كما عززت حالة المنافسة على مركزية التعاطف الدولي بإيجاد مخرج من الأزمات.  انهالت التعليقات  خلال الأيام الماضية وازدادت المهاترات بين من يرى في انفجار المرفأ انتقاما للسوريين من جهة، وبين من يراه كارثة غير مسبوقة في الشلاق الأوسط استطاعت الفتك بمدينة خلال دقائق معدودة من جهة أخرى، بالإضافة إلى منشورات دعت إلى التذكير بمآسي اليمن و ليبيا والعراق وسوريا، التي وقف العالم موقف المتفرج على قضاياها وأزماتها.  انتقل المشهد الالكتروني من تحليل ووصف  ونقل لما يجري  إلى صراع سياسي طائفي عنصري في آن معاً، في صورة نسفت إنسانية الحادثة و ركزت على وضعها في خانة التصريف السياسي دون تكوين أدنى علم بملابسات الانفجار. في الوقت ذاته، تذهب طائفة من المعلقين و المتفاعلين أن الانتشار الواسع لخبر انفجار بيروت و التعاطف الدولي ما هو إلا بسبب  اللحاق بما يمكن وصفه “ترند الانفجار” و ركوب موجة ما في سبيل الوصول عن طريق نشر تفاعل مع الحدث، مع تشكيك بمصداقية أي من المتضامنين من المشاهير أو سواهم.

فرق في الحسابات

هنالك نماذج صادمة من هؤلاء المتفاعلين، على اختلاف مشاربهم، يدعون إلى عادم التعاطف مع بيروت في هذه الحالة، متناسين أن ما أحدثته حرب  تسع سنوات في سوريا أو خمس في اليمن او ليبيا قدر عليه تفجير في دقيقتين، وأن إمكانيات لبنان بمنظومة البنية التحتية المتداعية وهيكلها الصحي المتهالك  خصوصاً في ظل أزمة  كورونا  و الفساد المستشري و ضعف الموار المالية، لا تسمح أن يقوم البلد بأعباء المرحلة المقبلة  بأي وسيلة من الوسائل. إن حسابات سوريا و اليمن و ليبيا حسابات سياسية وعسكرية بحتة تخضع لاعتبارات جيوسياسية  في المقام الأول، وما يجري في كل من هذه البلدان هو، بشكل أو بآخر، عبارة عن مجموعة من اتفاقيات تديرها القوى الفاعلة على الأرض. بينما حالة انفجار المرفأ، وإن كانت بفعل إهمال أو تستّر من سياسيين لبنانيين، تبقى حالة إنسانية بعيدة عن التبريرات الطائفية و العنصرية والإيديولوجية وحسابات الدول. ولا بد لأصحاب الرأي الافتراضي الانتباه إلى أن علاقات لبنان السياسية والدبلوماسية تختلف كل الاختلاف عن حالة سوريا أو اليمن أو ليبيا أو العراق، ولم تخضع لبنان_ إلا بعض مسؤوليها_  كدولة لعقوبات اقتصادية تمنع دولاً أخرى من مد يد العون لها و الماشرة بأعمال إرسال المساعدات دون أن تتعرض هذه الدول لعقوبات بحد ذاتها، وهو على عكس ما يحصل في سوريا التي تخشى أي دولة من مساعدتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى