من الفاعل السياسي إلى “نائب الفاعل” المنحدر الأخر لفن الممكن بالجزائر !

لماذا  صار الصراع السياسي في الجزائريضمي بيد نواب الفاعل وليس الفاعل بذاته، ما سبب هذا النزوع إلى التطاحن والتكاشف الاعلامي عبر وكلاء معتمدين يلبسون آثام سادتهم ويعتنقون بالدفع للدفاع عنويلهجوم بلسنان ساداتهم وكلائهم،دفاعا عنهم بشراسة في حروب الملفات، نشر الغسيل والتموقع داخل الاجهزة؟

هل انتهى أسلوب العمل السياسي الكلاسيكي في الجزائر القائم على صراع المعارضة والسلطة وفق الشرط والشكل المؤسسي أي أحزاب وحكومة؟ حتى يتحول إلى صراع داخل النظام تستعمل فيه شخصيات حزبية واعلامية منفية؟

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

أسئلة صارت تفرض نفسها على الملاحظ والمتتبع للشأن السياسي بالجزائر بعد إذ صار يأخذ شكلا غريبا في الخطاب والوسيلة، حيث راح في الأولى ينحصر في التخوين والتخوين المضاد، عبر طرح ملفات تمس بالفاعل السياسي شخصيا سواء أكان معارضا أو في الحكم، وفي الثانية (الوسيلة) يكاد الفضاء الأزرق يغدو مسرح الصراع السياسي هذا في ظل استحواذ جهة بالاعلام الخاص بالسيطرة التامة على مصدر حياته ونقصد بها هنا الاشهار، القيود غير المعلنة على النشاط الحزبي الملغوم من الداخل ومغلول اليد، بحيث لا يمكنها أن تمتد إلى ما يسهم في إثراء العلمل السياسي الحقيقي والشفاف .

كل الذين يتواجدون خارج أرض الوطن ويتطارشون هناك في أوروبا، بالحقائق المزعومة حول سر ما يحدث داخل الاجهزة، إنما يجسدون أو يعكسون بحق الحالة التي انتهى إليها خيال الاجهزة الرسمية ومشروعها في إعداد السياسة والنشاطها ومؤسساتها الحزبية بعد توقيف المسارات الثلاث التي انطلقت على أسسها مرحلة الانفتاح الكبرى بعد أكتوبر 1988، وهي توقيف المسار الديمقراطي، الانتخابي، والتعددي، شتاء 1992، وهذا حين اعتمدت أجندة قلب الأمور من الموضوعية التاريخية إلى الشكلانية في العمل السياسي، بحيث تبدو الاحزاب السياسية كائنة في الصورة لكنها في الواقع غير موجودة بالمرة، ما يكرس صورية التعددية والديمقراطية معا، ذات الشأن مع المؤسسات الاعلامية والصحف، الحاضرة في السوق كبوق لمن يمنحها الاشهار ويطلق نباحها على من عاداه.

من هنا يتجلى أبرز سبب في عدم انبثاق مشهد سياسي تعددي صادق في الجزائر، بعد رفض السلطة الفعلية المجتمع يمضي في سبيل تجربته التعددية الأولي بسلاسة وسلامة، بما كا سيفضي في الأخير إلى بروز ظاهرة حزبية حقيقية وقوية وفاعل سياسي جاد وحاد في النقد، وخلفهما يتقفى أثرهما جهاز إعلامي محترف غير منحرف أو متحيز لأي طرف كان.

فهذا السلوك البغيض الذي أريد للسياسة أن تتلوث به من خلال ظاهرة “نائب الفاعل” السياسي المتخفي، بالاضافة إلى كونه جسد منتهى خطيئة قتل روح السياسة بالجزائر عبر قتل أو إيقاف المسرات الثلاثة التي ذكرنا، فقد كشف أيضا عن عمق التداخل التاريخي بين السياسي والأمني في الجزائر، بحيث لا يمكن لأحدهما الانفصال عن الآخر بسبب البنية القديمة التي تشكلت عليها السياسية في صراع الحركة الوطنية مع الاستعمار ثم فيما بين أطراف بعضها البعض.

وليس الأمر يقتضي درجة كبيرة من الذكاء للخلاص إلى أن منطق المنفعة والتنفع المتبادل بين الأمني والسياسي هو ما يجعل هذا التداخل كلما دنى من التفكك والانحلال بسبب تأثير حركة الاحتجاج الشعبي وقوى التغيير كلما عاد وتقوى مع خفوت تدافع الشارع وتراجع صوته وصيته الثوري.

كما أن نشاط “نائب الفاعل” السياسي الذي يمضي وفق خطابات “اللايفات” أي البث المباشر عبر اليوتيوب، صار يملأ الفراغ الكبير للصوت السياسي المعارض وهو ما يعني أنه يراد به الحيلولة دون التفكير في تحرير المعارضة الحزبية من قبضة الوصايا والرفع عنها اسرها والاغلال التي هي عليها منذ أظيد من ثلاثين سنة، فالمتلقي للسياسة المعادي للخطاب الرسمي، لا يمكنه أن يجد سواه في وسائل الاعلام العمومية والخاصة الواقعة تحت رحمة المادة الاشهارية المحصورة لموالي منها، فما عليه سوى أن يلجأ إلى القنوات الافتراضية على شبكات التواصل الاجتماعي ,ابرزها اليوتيوب .

لكن هل يجد حقا هنالك خطابا سياسيا معارضا، مصححا لما يصدر عن الاعلام والساسة الموالين في الواقع؟

مؤكد لا غاية، ما سيجده هو شيء من خليط بين السياسة والقضاء والفضائح الشخصية، أي نتاج النهج الذي أريد للسياسة كما أسلفنا المضي عليه بعد التوقيفات التي استهدفت المسارات الثلاث (ديمقراطي – انتخابي – تعدد\ي).

ولأن ما سيجده هو ليس خطابا سياسيا خالصا، فإنه سيقف عند ظاهرة مهمة لا ينتبه إليها الملاحظون كثيرا ونعني بها هنا تحول السياسة من عمل جماعي (حزبي) إلى شأن فردي خاص يكرسه بجد (نائب الفاعل) فحتى التيارات التي تحاول جاهدة الترسخ في المشهد المعارض كتيارات ومشاريع معارضة جادة، لا تكاد تبدع، من خلال الفضاء الأزرق آلية لانتاج خطاب بهذا الصدد، إذ ينبري عادة أفراد منها دائما عبر تقنية البث المباشر (اللايف) لمخاطبة المتلقي العازف عن خطاب السلطة، بكلام يعكس القناعة الفردية للمتكلم باسم التيار أو بدونه فيترسخ هو بذاته في وعي المتلقي وليس تياره ولا مشروع حركته.

هي إذا حالة من الانحراف والانجراف الثاني للعقل السياسي الوطني، الذي بعد أن وجد المعارض فيه نفسه أسير الخيار الصوري للسياسة الذي أعتمد مذ أوقفت المسارات الثلاثة، ها هو ذا يجد نفسه مرة أخرى مجردا من قوة دفعه المرجعية المؤسساتية الجماعية (الحزب) وغاية ما يستطيع أن يبشطه هو أن يدفع عن نفسه عبر قنوات الافتراض تهما، ويفند شائعة وليس له أكثر ذلك وسعا لمواجهة السلطة بمشروع سياسي متكامل يلقى من بعد الشرح الانشراح والقبول من هذا المتلقي العازف عن الخطاب السياسي والاعلامي الرسمي.

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى