من منكم يعرف أحمد جبريل؟
 باسل ترجمان

بعيداً عما صرح به في وسائل الإعلام وفي محاولة للعودة مرة أخرى إلى المشهد السياسي الفلسطيني والعربي يبدو اسم الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة أحمد جبريل من أقل الأسماء المتداولة في القيادات الفلسطينية بالرغم من وجوده في المشهد منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية. كثيرون لا يعرفون الرجل لأنه غاب تماماً عن المشهد الفلسطيني منذ بداية مفاوضات مدريد عام 1991 والتي انخرطت فيها دمشق حينها على أمل التوصل لحل سلمي في المنطقة. أحمد جبريل أو أبو جهاد الذي كان من أوائل الفلسطينيين الذين انضموا للجيش العربي السوري تخرج من كلية الضباط في بداية سنوات الستين برفقة عدد من الشباب الفلسطيني، ساهم في تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مع البعض من القيادات القومية واليسارية، بعد اشهر قليلة من انطلاقة حركة فتح، وانشق دون سبب مقنع عن الجبهة بعد فترة قصيرة من انطلاقها وأسس تنظيم مغلق يعرفه الكثيرون باسم “القيادة العامة”. وللتاريخ المنصف انقسمت الجبهة في سياساتها ومواقفها لحالتين متناقضتين في الساحة الفلسطينية، فعلى مستوى العمل العسكري ضد إسرائيل كان لها عدد من العمليات العسكرية النوعية المميزة والمتباعدة في التوقيت ضد الجيش الاسرائيلي سواءً في لبنان أو ضد المستوطنات الاسرائيلية بشمال فلسطين المحتلة، وتعتبر عملية “كريات شمونه” التي نفذت عام 1974 من العمليات الكبيرة والناجحة التي نفذها التنظيم وبعدها بثلاث عشرة سنة وفي عام 1987 نفذ عملية الطائرات الشراعية، وعلى امتداد سنوات عمر التنظيم التي تزيد عن خمس وخمسين عاماً برزت لدى قيادته الممثلة أساساً بشخص جبريل قدرات هامة بتنفيذ عملياتِ نوعية ضد الاحتلال الإسرائيلي. كما نجحت الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة في أسر جندي إسرائيلي سنة 1979 في الجنوب اللبناني خلال تصد شاركت به قواتها لمحاولة إنزال إسرائيلية وسميت عملية تبادل الاسرى بعملية النورس واطلق خلالها سراح عدد من الاسرى في سجون الاحتلال الاسرائيلي من بينهم خمس عناصر يتبعون الجبهة كانوا قد اعتقلوا اثناء تنفيذهم لهجمات في مناطق الجنوب اللبناني. اما العملية التبادل الثانية التي نفذتها الجبهة سنة 1985 لجنديين إسرائيليين لم تكن قواتها التي تمكنت من أسرهم بل كانوا مقابل نقل مجموعة الأسرى الثمانية التي أسرتهم الوحدة الخاصة لقوات الارض المحتلة في البقاع اللبناني عبر سيارات اسعاف تابعة للجبهة كانت تمر عبر حواجز الجيش السوري دون ان يوقفها او يفتشها بعكس سيارات الاسعاف الاخرى التابعة للتنظيمات الفلسطينية. ولكن السؤال المهم الذي يطرح نفسه: لماذا لم يستطع هذا التنظيم أن يفرض نفسه في الواقع الفلسطيني وبقي أشبه بالتنظيمات السرية رغم أن قاعدة العمل التي اعتمدتها كل التنظيمات الفلسطينية في الصراع مع العدو كانت تستند للقاعدة الجماهيرية سواءً في الانتماء والعمل المسلح أو في المساندة الشعبية. وللمُتَتبِع فإن أحمد جبريل أضاع الجزء الأكبر من حياته في تصعيد وخلق الصراعات والأزمات داخل الساحة الفلسطينية وتصفية حسابات شخصية مع حركة فتح التي اعتبرها عدوه الأول، بل أنه وجه جهده وامكانات تنظيمه التي كانت كبيرة بفعل الاحتضان السوري الكامل للتنظيم إلى جانب الدعم السخي الذي قدمه العقيد معمر القذافي من المال والسلاح والتأييد السياسي لتوجهات جبريل. على امتداد تاريخ التنظيم تجاهل أحمد جبريل الأراضي الفلسطينية سواءً في المناطق المحتلة عام 48 أو في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولذلك يجد الكثير من أبناء فلسطين هذا الرجل بعيداً عنهم بل أن الكثير لا يعرفوه، إذ أنه كان قد اكتفى بالتمركز في مخيم اليرموك قرب مدينة دمشق وبدرجة أقل في مخيمات لبنان موجهاً جهده وتفكيره منذ بداية الحرب الأهلية في لبنان عام 1975 نحو ضرب حركة فتح والسيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية لتزعمها بدعمٍ من نظام الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد. ما أضاعه أحمد جبريل من سني عمره جاهداً لضرب قيادة حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية لو أنه كُرِّس ولو بجزءٍ منه للعمل ضد الاحتلال لكان قد كفل للرجل الصعود إلى مناصب عليا ضمن قيادة العمل الوطني الفلسطيني، ولكنه اهتم بدلاً عن ذلك بالسعي لتدجين منظمة التحرير الفلسطينية لتحقيق أحلامه بتزعمها ووضعها في غرفةً صغيرة تخدم الأنظمة التي احتضنته وعمل لمصالحها وبكل ما أوتيّ. التاريخ يشهد على أنه وبذروة الأزمات التي عاشتها المنطقة العربية والقضية الفلسطينية خاصةً بعد زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات للقدس التي دفعت لتشكيل جبهة الصمود والتصدي ضمت كلاً من سوريا وليبيا والعراق والجزائر ومنظمة التحرير الفلسطينية وبخضم تدراس قادة الجبهة لسبل مواجهة نتائج وتبعات الأحداث بتلك الحقبة انخرط أحمد جبريل في طرابلس برفقة عبد الحليم خدام وعبد السلام جلود للتآمر على القيادة الفلسطينية في بيروت بهدف تصفيتها وبمشاركة كاملة لقوات طلائع حرب التحرير الشعبية ـ قوات الصاعقة التي كان يقودها زهير محسن عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حينها. إن فشل تلك المحاولة لجانب التقارب الذي شهدته العلاقة الفلسطينية – السورية منذ نهاية سنوات السبعين ولغاية الاجتياح الاسرائيلي لبيروت لم تقنع جبريل بأن سعيه لخلق الفتنة وضرب الوحدة الوطنية والمساس بحرمة الدم الفلسطيني يجب أن تتوقف، بل أنه استغل نهاية الاجتياح ساعياً ومجموعة من قيادات في حركة فتح للانشقاق ومن ثَمَ ضرب منظمة التحرير وقيادتها الشرعية وبتوجيهات وإشراف مباشر من عبد السلام جلود أحد أهم مساعدي العقيد معمر القذافي بالإضافة لنائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام. وبتلك المرحلة التي كان فيها الجهد الفلسطيني منصباً على مواجهة القوات الإسرائيلية في لبنان وهنا وكما يستذكر العديد عندما خاطب الشهيد القائد (خليل الوزير) المقاتلين بقوله: ” كنتم تسيرون عشرات الكيلومترات للاشتباك مع العدو، واليوم قوات العدو أمامكم على خطوط النار” هذه المقولة دفعت نحو تصعيد الهجمات التي نُفذت من قِبل قوات من مختلف التنظيمات الوطنية الفلسطينية وأولها “فتح” ضد مواقع ومعسكرات ومقرات جيش الاحتلال في البقاع والجنوب اللبناني، كان أحمد جبريل يتغول في تآمره على “فتح” والثورة الفلسطينية وزج الكل في أتون الاقتتال الداخلي وحرف قوات الثورة عن جبهات القتال وتجنيب قوات جيش الاحتلال في الجبل والبقاع والجنوب الوقوع في مرمى نيران قوات الثورة. ورغم فشل مساعي جبريل ومن معه حيث أصبحوا كما النار التي تأكل بعضها في دمشق وانتهاء الحالة التي سميت بـِ فتح الانتفاضة بقيّ أحمد جبريل متمسكاً بقناعته بالتآمر على “فتح” وقوات الثورة الفلسطينية وافتعل حرب المخيمات الأولى والثانية في بيروت برعاية النظام السوري حينها لمنع عودة قوات الثورة الفلسطينية الى بيروت والجنوب اللبناني بعد أن عاد العشرات من أبنائها وبدأت تنفذ عمليات نوعية ضد قوات الاحتلال، وعملية الشهيدة فرانسواز كاستيمان ورفاقها التي نفذت في الذكرى الثانية لمجازر صبرا وشاتيلا عام 1984 شاهدة على أن بنادق “فتح” كانت متجهة فقط نحو قوات الاحتلال الإسرائيلي. احمد جبريل تفنن في حصار المخيمات ومعاقبة أبناء المخيمات برج البراجنة وصبرا وشاتيلا جراء عودة ابناء فتح وبدء تنفيذهم عمليات عسكرية ضد المحتل الاسرائيلي في جنوب لبنان ، وشارك جبريل بالحرب على المخيمات وحصارها والتي بقيت محاصرة إلى ما بعد انطلاق الانتفاضة الأولى نهاية سنة 1987 التي دفعت النظام السوري وحلفائه للإحساس بالخجل أمام الرأي العام في سوريا والعالم أجمع أنهم كانت قواتهم تحاصر وتقصف المخيمات الفلسطينية في بيروت بينما يتابع العالم ابطال انتفاضة الحجارة ضد الاحتلال الاسرائيلي. ومع نهاية حرب الخليج الثانية وانطلاق مفاوضات مدريد للسلام والحصار الذي فرض على ليبيا بعد اتهامها بالتورط في تفجير الطائرة الأمريكية فوق لوكربي، غاب أحمد جبريل عن الوجود واكتفى بدور شتم وتشويه القيادة الفلسطينية من دمشق. ستة وعشرون عاماً مرّوا على العودة إلى فلسطين والبدء بمعركة التحرر الجديدة، وأحمد جبريل لم ينكفئ عن محاولاته حيث سعى لأن يتواجد ولأول مرة في فلسطين ووجد ضالته حينها من خلال تقاربه مع حركة حماس في غزة حليفته الاستراتيجية في صراعه ضد حركة فتح قبل أن تنقلب على النظام السوري الذي استقبلهم وساعدهم ليشتبك احمد جبريل مع حماس وحلفائها من الجماعات التكفيرية التي تمركزت في مخيم اليرموك. لم تستطع السنون إلى جانب استشهاد قادة من “فتح” برصاص الإحتلال الإسرائيلي أن تنسي أحمد جبريل حقده عليهم، بل اختار وعبر محاولة يائسة لتبرئة معلمه وحليفه العقيد معمر القذافي من دم الامام موسى الصدر أن يمعن في غله من خلال اتهام الشهيد (ياسر عرفات) وبأن له دور في هذه الحادثة. تأتي محاولته هذه في توقيت غريب ولكنها تؤكد على حقيقة مفادها أن أحمد جبريل وبحديثه هذا أراد يائساً أن يبعد نفسه عن شبهة التورط في حادثة اختفاء موسى الصدر الذي اختطف في ليبيا صيف عام1978، وكما يدرك كثيرون بأنه تلك المرحلة كانت تعتبر شهر العسل الطويل بين جبريل ونظام العقيد القذافي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق