من مَتِّتياهو… إلى نتنياهو!
عماد شقور

«فايروس كورونا».. مالئ الدنيا وشاغل الناس!!.
«فايروس كورونا».. إن البعوضة تدمي مقلة الأسد!!.
«فايروس كورونا».. الناس سواسية كأسنان المشط!!.
لا صوت يعلو فوق صوت «فايروس كورونا»!!
كل واحدة من هذه الجُمَل (المفيدة) تصلح ان تكون عنواناً لمقال مشبع بالمعلومات والتحليلات والتوقعات. ويمكن لكل واحد من هذه العناوين أن يفتح الباب ويتسع الى بديع الكلام وعميق المعاني.
لكنني اخترت لمقالي هذا عنوان «فايروس إسرائيل»،.. ومن نتنياهو الى متتياهو!، لسببين وجيهين:
1ـ كثيرون غيري، أُلوف مؤلّفة كتبت.. تكتب.. وستكتب بالتأكيد، عن فايروس كورونا. وكثيرون من بين هؤلاء: اطباء ومخترعون وباحثون، وربما رجال إعلام وسياسة وتاريخ، يملكون القدرة الكافية على التعاطي مع هذا الموضوع بعلم وتخصُّص، وبدراية أكثر مما أعرف واملك.
2ـ اننا نتساوى، مع جميع البشر في كل قارات الكرة الارضية، في المعاناة من وباء و«جائحة» فايروس كورونا. ولكننا، كشعب فلسطيني وكأُمة عربية، نعاني، اضافة لذلك، من «فايروس» العنصرية والتمييز والاحتلال والاستعمار الإسرائيلي.
3ـ اما السبب الثالث، وقد يكون الاهم، فهو أن إسرائيل، التي تعيش هذه الايام، (بل قل هذه الاسابيع والاشهر)، اهتزازاً وزلزالاً غير مسبوق، على صعيد السياسة الداخلية والحزبية، سببها ومُسببها الاساسي هو الدور الذي لعبه ويلعبه نتنياهو في ساحة الحكم والحكومة الإسرائيلية، وتشابه، بل وشبه تطابق ايضا، مع الدور الذي لعبه متتياهو قبل الفي سنة.
لا بد من التعريف بمتتياهو هذا، عن طريق شرح وعرض سريع مختصر، تقتضيه شروط صياغة مقال في صحيفة، لموضوع جدير بدراسة وبحث موسع. إذ في حين ان الكل يعرفون بنيامين (واسم الدّلع: بيبي) نتنياهو، الا ان نسبة قليلة جدا من الفلسطينيين والعرب، بل واقل من قليلة جدا ايضا، يعرفون اسم وتاريخ ودور يوسف (واسم الدّلع: يوسي) بن مَتِّتياهو. وقد يكون من الملائم عرض المقارنة والتشابه بين طريقي متتياهو ونتنياهو، في نقاط محددة وبنود متقابله، على النحو التالي:
ـ ـ ولد يوسي بن متتياهو في القدس سنة 37 ميلادية لعائلة من الكهّان وجهاء القدس. وهذا كان عاملا مساعدا له للتفرغ للتعلم في معاهد راقية، (بمقاييس زمانه)، فأتقن اللغتين: الآرامية واليونانية، (لغة الامبراطورية الرومانية التي كانت» القوة العظمى»، وكانت فلسطين احدى الولايات التابعة لها.
= = ولد بيبي نتنياهو في تل ابيب لأب كان سكرتيرا شخصيا للزعيم المؤسس لليمين الصهيوني جابوتنسكي، وتخصص في دراسة التاريخ الى ان حصل على درجة الاستاذية (بروفيسور) في التاريخ، وذلك ما اتاح لابنه بنيامين التفرغ للتعلم في ارقى مدارس ومعاهد وجامعات زماننا الحاضر. واتقن اللغة الانكليزية بطلاقة مشهودة، وهي لغة أمريكا، «القوة العظمى»، حيث فلسطين/إسرائيل احدى «الولايات» الواقعة تحت هيمنتها.

ـ ـ انتدب متتياهو وهو في شبابه المبكر، سنة 63 ميلادية، الى روما عاصمة الامبراطورية، للدفاع والتوسّط لعدد من الوجهاء اليهود الذين اعتقلوا وسيقوا الى هناك للمحاكمة، حيث توسط له يهودي في روما وقدّمه الى الزوجة الثانية لقيصر روما نيرون (ما غيره.. الذي تحكي الروايات عن غبائه وطبيعته اللا انسانية وفرحه وانتشائه وهو ينظر الى عاصمته روما حينما شب فيها الحريق والتهمها)، وقضى فيها سنتين، وتمكن من الافراج عن اليهود المعتقلين هناك، بفضل علاقته بزوجة القيصر.
== اقام نتنياهو مع عائلته في أمريكا، وعيّن في مطلع شبابه مندوبا لإسرائيل في الأمم المتحدة، (1984ـ 1988)، وكان صديقا لعائلة كوشنر اليهودية الأمريكية اليمينية، حيث كانت تخصص له غرفة ابنها جاريد (ما غيره.. زوج ايفينكا وصهر «قيصر» أمريكا، دونالد ترامب، الذي تحكي الروايات عن غبائه وطبيعته اللاإنسانية وفرحه وانتشائه وهو يتابع عذابات الشعوب المقهورة، واستهتاره بالاحتباس الحراري الذي يهدد الكرة الارضية والحياة عليها، والتقليل من اهمية وباء وجائحة فايروس كورونا، حتى بعد اسابيع من بدء انتشار شروره).
ـ ـ بعد سنتين من عودة متتياهو من عاصمة القوة العظمى روما، الى القدس، اندلعت حركة تمرد اليهود على هيمنة الامبراطورية الرومانية، فانتدبه مجلس وجهاء العائلات اليهودية في حينه، ليكون قائدا لمنطقة الجليل، حيث تمكن بألاعيب ومناورات لا تحصى، من التخلص من كل من كان يمكن له ان يكون وريثا له في الموقع، وخاض مع هؤلاء مواجهات متواصلة، ونجح في اقصائهم وتيئيسهم ليظل قائدا منفردا شبه عملاق، يحيط به أقزام بلا كفاءات ولا طموح.
== بعد سنتين من عودة نتنياهو من نيو يورك الى القدس، اندلع في إسرائيل شبه تمرد ضد اسيادها في واشنطن، (ايام جورج بوش وجيمس بيكر)، لكنها اجبرت على تلبية الاستدعاء الى مؤتمر مدريد، فاصطحب رئيس حكومتها، اسحق شامير، الشاب المقرب منه، بنيامين نتنياهو، ليكون مستشاره والناطق الرسمي للوفد الإسرائيلي الى ذلك المؤتمر، حيث عاد منه نجماً صاعداً، سرعان ما تولى رئاسة حزب الليكود اليميني، خلفا لشامير، الذي خسر منصب رئاسة الحكومة الإسرائيلية، لصالح اسحق رابين. وفي هذه المرحلة نجح نتنياهو في اقصاء واستبعاد وتخفيض مناصب وتيئيس كل عضو قيادي وتاريخي في حزب الليكود، ليظل قائدا منفردا شبه عملاق، يحيط به اقزام بلا كفاءات ولا طموح.
ـ ـ في المواجهات العسكرية في الجليل، بين المتمردين اليهود بقيادة يوسي بن متتياهو، والجحافل الامبراطورية الرومانية بقيادة اسفسيانوس وابنه تيتوس، انهزمت قوات متتياهو، وفي آخر تلك المواجهات تحصّن متتياهو ومن بقي معه من جنوده في مغائر الجفات (وهي مغائر في الجبل الذي يفصل بلدي، سخنين، عن سهل البطوف، ويسميها اليهود «يودفات»، وتقع في مركز مثلث سخنين، كوكب ابو الهيجاء، كفر مندا. وفيها تخزّن إسرائيل في ايامنا قنابلها الذرية التي تنتجها في مفاعل ونجح في اقصائهم وتيئيسهم ليظل قائدا منفردا شبه عملاق، يحيط به اقزام بلا كفاءات ولا طموح. ديمونا في النقب، حسب مصادر صحافية اجنبية).
وعندما لم يبق مع نتنياهو الا نحو اربعين مقاتلا يهوديا رافضين الاستسلام، تم القرار بالانتحار الجماعي، لكنه سرعان ما استبدل بقرار ان يقتل كل واحد منهم من يكون امامه في الدّور، حسب «قُرعة» ما زالت حتى ايامنا تسمى «قُرعة متتياهو»، وعندما لم يبقَ غير متتياهو ومساعده الاخير، قرر متتياهو ومساعده الاستسلام، ليتبيّن ان تيتوس استجاب لنداء قائد كتيبة رومانية اسمه نيكانور، كانت قد ربطت بينهما علاقة صداقة اثناء اقامة متتياهو في روما. وعندما اقتاده هذا اسيراً الى القائد الروماني فلافيوس اسفسيانوس وابنه تيتوس، طلب متتياهو الانفراد بفلسيوس ليخبره بـ«نبوءة» رآها في منامه، وهي ان فلافيوس سيصبح قريبا قيصرا على الامبراطورية الرومانية، ويفك قيود اسيره يوسي بن متتياهو. وكان له ما اراد، ففك قيوده وعينه مرافقا لابنه تيتوس، وقادا معاً معركة حصار القدس وهدم اسوارها وهيكلها (الثاني)، سنة 70 ميلادية، وانتهت حقبة الهيكل الثاني وعهد الحشمونائيم بعد ثمانين سنة من اقامته.
== في المواجهات السياسية، (وليس العسكرية)، بين إسرائيل بقيادة نتنياهو، و«الامبراطورية الأمريكية» بقيادة باراك اوباما، خضع نتنياهو، و«تنبّأ» لدونالد ترامب بانه سيكون قريبا «قيصر» أمريكا الجديد.. وتم ذلك، وكل ما تلا ذلك، حتى يومنا، هو اخبار وتطورات نقراها في صحف هذه الأيام.
بعد خراب القدس وتدمير «الهيكل الثاني» سنة 70 ميلادية، وقمع التمرد اليهودي وتشتيت اليهود، واخراجهم من فلسطين، عاد تيتوس ابن القيصر، والقيصر لاحقا، وريثا لابيه، الى روما مصطحبا صديقه يوسي بن متتياهو، حيث غيّر اسمه هناك، ليصبح «يوسيفوس فلافيوس تيتوس»، وعمل هناك في مكتبة القصر، والّف كتبه العديدة عن تاريخ اليهود، واهمها «حروب اليهود»، والتي تعتبر المراجع الاهم حتى يومنا، حول تلك الحقبة الزمنية.
ظل اليهود على مدى تسعة عشر قرنا من الزمن، يرون في يوسي بن متتياهو مجرد خائن وعميل للإمبراطورية الرومانية، ولكن، ومنذ خمسينيات القرن الماضي، بدأت تصدر في إسرائيل كتب ودراسات تحتفل بيوسي بن متتياهو، وترى فيه زعيما يهوديا تاريخيا من طراز رفيع. ولعل اشهر ما صدر من كتب كثيرة حول متتياهو وعنه، كتاب «حروب اليهود ضد الرومانيين»، ترجمة ليزا اولمان، سنة 2009، وكتاب «خائن القدس» لديزموند سيوفارد، في مطلع القرن الماضي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى