من يهدم لا يبني
حافظ البرغوثي

للمرة الرابعة يجري البحث في عملية إعمار غزة بعد كل دمار يلحق بالقطاع. وكانت المرة الأولى في سنة 2009 حيث عقد مؤتمر دولي لهذا الغرض بعد حرب 2008 حيث عرقلت قيود إسرائيل تدفق الأموال من المانحين لإعادة ما دمره القصف في غزة، وظلت آثار الدمار ماثلة للعيان في عدوان 2012؛ حيث كانت الاستجابة لتقديم المساعدات محدودة بسبب اندلاع ما يسمى «الربيع العربي». وفي عدوان 2014 عقد اجتماع في القاهرة تعهد المانحون فيه بتقديم أكثر من أربعة مليارات دولار، لكن لم يحدث أي شيء.

الآن نعود إلى الفشل نفسه بخلق ظروف تمنع إعادة الإعمار وإنعاش غزة. فالدول المانحة تريد لجنة دولية مشتركة للإشراف على إعادة الإعمار باقتراح من مصر أيدته الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية ومشاركة السلطة الفلسطينية التي تتولى تقديم الخدمات فعلياً منذ سنة 2007، لكن حركة حماس تقترح أن يتم الإعمار عن طريقها كما ورد على لسان خالد مشعل، وهو ما رفضته إسرائيل بالمطلق على لسان وزير حربها بيني جانتس، خشية استخدام المساعدات لإعادة بناء ترسانة الصواريخ والأنفاق. كما أن الوزير الأمريكي بلينكن حرص على التأكيد إبّان جولته الأخيرة في المنطقة على ضرورة إبعاد الفصائل عن مشاريع إعادة الإعمار؛ حيث تتولاها منظمات دولية ومصر والسلطة الفلسطينية. ولم يكتفِ الوزير الأمريكي بذلك، بل طلب من قطر التوقف عن إرسال المنحة القطرية الشهرية إلى حركة حماس عبر إسرائيل، وكانت هذه المنحة أقرت قبل سنوات إبّان مسيرات العودة، لكنّ الأمريكيين حالياً غير راضين عن ذلك، وكذلك الإسرائيليون. فالاتصالات الأمريكية الحالية تصبّ في هدف وهو منع حماس من الوصول إلى المساعدات حتى لا تستخدم في التسليح لاحقاً. بمعنى آخر أن المانحين الذين تقاعسوا عن الوفاء بالتزاماتهم المالية سنة 2014 لأن منحهم السابقة سنة 2009 دمرت سنة 2012 يبدون الآن في الموقف نفسه، وتريد مصر أن تكون هذه آخر الحروب  وأن يتم الدفع باتجاه توحيد البيت الفلسطيني.

بعد انسحاب الاحتلال أحادياً من غزة وضعت مشاريع لتحويلها إلى منطقة صناعية متطورة، لكن الأحداث المحلية والانقسام حالا دون ذلك. وكان بالإمكان بعد الانسحاب سنة 2005 إحداث نهضة اقتصادية في غزة، إلا أن الاحتلال يعيق أية تنمية، والدليل أنه بعد أكثر من ربع قرن على اتفاقات أوسلو لم تشهد الضفة الغربية إلا نمواً بسيطاً بسبب تولي غير المهنيين للمسؤوليات، كأن يكون هناك وزير تكنولوجيا معلومات لا يعرف استخدام الكمبيوتر، أو وزير تخطيط لم يخطط، أو وزير أشغال لم يبنِ كوخاً في حياته، أو وزير تربية جعل الحقيبة المدرسية بوزن الطفل الذي يحملها دون جدوى في المضمون، وكأن الثوار ليسوا مؤهلين لإنشاء وقيادة مؤسسات فاعلة. وظل اقتصاد الضفة حبيس الاقتصاد الإسرائيلي؛ حيث يستفيد الإسرائيليون من الفلسطينيين وليس العكس؛ لأن إسرائيل تقيد أي نشاط فلسطيني داخلي صناعي أو تنموي أو تصديري.

تجربة حماس في تقديم الخدمات من قبل حكومتها في غزة لم تكن ناجحة؛ لأنها لم تقدم شيئاً، وتجربة جماعة «الإخوان المسلمين» في الحكم كانت هدامة وليست بناءة. ففي سنة واحدة من الحكم في مصر تم إغلاق أربعة آلاف مصنع، وتولى تجار «الإخوان» استيراد المنتجات التركية عبر الموانئ من دون دفع الضرائب عليها. والدول التي حكمها «الإخوان» مثل تونس تراجع اقتصادها إلى درجة الفقر.

لذلك، يجب الآن تركيز الجهود على الوفاق الداخلي الفلسطيني، بدلاً من تكريس الانقسام.

يحكى أن السلطان عبد الحميد الثاني أراد إعادة بناء قصر له، فاختار مهندساً أرمنياً بارعاً، فأحضر المهندس عماله، وبدأ في هدم المبنى، ولما انتهى جاء بطاقم آخر للعمل في البناء، فسأله السلطان مستغرباً: لماذا استبدلت العمال؟ فقال المهندس: «لأن من يهدم لا يستطيع البناء يا مولاي».

فكيف ننتظر من إسرائيل الموافقة على إعادة إعمار ما دمّرته في القطاع؟.. إن من يهدم لا يبني.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى