مهادنة أمريكية
علي قباجه

بدأت الولايات المتحدة منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بالجنوح نحو تخفيف تواجدها العسكري في العالم، مقابل التركيز على قضايا أهم؛ لذا فإننا نرى واشنطن تسعى إلى إيجاد حلول في مناطق عدة، ولو كانت تلك الحلول مخالفة لثوابتها، مقابل التنصل من التزاماتها من ناحية، ووفاء رئيسها ترامب بوعوده الانتخابية، من ناحية أخرى. إذ إن الأخير تعهد لمؤيديه بأن سدة الرئاسة ستكون في عهده خلافاً لأسلافه؛ حيث وضع شعار «أمريكا أولاً»، وسار في تطبيقه، ما أملى عليه أن يحقق أي شيء فيه مصلحة أمريكا من دون غيرها، ولعل هذا ما يفسر جنوح واشنطن للسلام في أفغانستان؛ لكن المهم لدى ترامب هو سحب الجنود الأمريكيين البالغ عددهم 12 ألفاً من أفغانستان، لينهي بذلك أطول حروب أمريكا على الإطلاق، وليوظف ما ينتج عن تلك الاتفاقية في رفع حظوظه في معركة إعادة انتخابه.

ولتسهيل تمرير الاتفاق، فإن ترامب سار على مبدأ، من كان عدو الأمس لا بأس أن يكون صديق اليوم، في حال التزم ببعض الشروط، وهو ما تسير عليه الولايات المتحدة في أفغانستان؛ إذ إنها تريد التخلص من هذا العبء؛ لكن بما يحفظ ماء وجهها؛ لذا قطعت شوطاً مهماً في المفاوضات مع الحركة التي لا تزال تصنفها «إرهابية»، وأعلنت عن اتفاق مبدئي؛ لخفض العنف، كاختبار للنوايا، يسبق التوقيع على الاتفاق النهائي الذي يتضمن الانسحاب الأمريكي من البلاد، وبدء محادثات، تشمل كل الأطراف؛ للتوصل إلى اتفاق سلام يُنهي دائرة العنف التي مزقت أفغانستان.

ويبدو أن الاتفاق ليس مصلحة أمريكية فقط؛ بل هو مصلحة مشتركة للطرفين، «فطالبان» التي تسيطر على نحو نصف البلاد، تلقت ضربات موجعة، وفقدت الكثير من الزخم، وهي أيضاً تريد الخروج من مأزق حرب لا أفق لها؛ لذا فإنها قبلت بالتفاوض مع الحكومة الأفغانية، التي كانت في السابق ترفض حتى الجلوس معها؛ بل وتقاتلها، على اعتبار أنها تابعة لواشنطن. وهذا التنازل يعد مكسباً مهماً لأفغانستان وأمريكا؛ إذ إن الأخيرة تكسب عودة جنودها، وانخفاض كلفة حرب، بينما تتمكن الأولى من إيجاد حل لمعضلة كبرى عصفت بالبلاد.

والمدقق في الاتفاق الذي ترعاه أمريكا في أفغانستان، يرى أن فيه مهادنة كبرى من واشنطن، إلا أنها مع ذلك تسعى لتنفيذه مهما كلف الأمر، فهي ترى فيه وسيلة لإضفاء الشرعية على حكومة أشرف غني الذي فاز بولاية رئاسية جديدة على حساب عبدالله عبدالله الذي رفض في بادئ الأمر القبول بالنتيجة، وإعطاء الزخم له لتقوية موقفه أمام «طالبان» التي بالتأكيد في حال توقيع الاتفاق النهائي ستطالب بحصة من السلطة.

وأيّاً يكن، فالاتفاق على تسوية تنهي الحرب المدمرة، الرابح الأول فيه هو الشعب الأفغاني، الذي يعاني الموت، والفقر، والجوع منذ نحو عشرين عاماً، فالسلام هو مطلب مُلح للشعب الأفغاني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى