مهمة “فاشلة” للموساد الإسرائيلي في إفريقيا

كشفت صحيفة هآرتس العبرية، تفاصيل عملية سرية فاشلة نفذها جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، الموساد، في جيبوتي، وكان هدفها نقل عشرات اليهود من إثيوبيا إلى إسرائيل، وذلك بعد 33 عاما من حدوثها.

بدأت القصة من مقاطعة غوندار في إثيوبيا، صيف عام 1986. حين زار المنطقة رجل مسن، بحثاً عن يهود من الفتيان والشبان الصغار من كلا الجنسين، ليكونوا جزءاً من تلك العملية السرية.

وبحسب هآرتس، قال الرجل للآباء، إن الهدف هو نقل أبنائهم إلى إسرائيل. أما المسار، فسيبدأ مشياً على الأقدام إلى جيبوتي المجاورة. وبمجرد أن تكون أوراقهم الرسمية جاهزة، سيسافرون جواً إلى باريس، ومن ثم نحو محطتهم الأخيرة، إسرائيل.

الإثيوبيون والموساد يعرفون جيداً أن لا طريق أخرى نحو الهدف. فالطريق السابقة التي استخدمت لتهريب الإثيوبيين من خلال السودان (في عملية سرية حملت اسم موسى)، اكتشف أمرها في وقت سابق.

خلال تلك العملية السرية، التي سبقت العملية الفاشلة بعام، تم نقل حوالي 8000 يهودي إلى إسرائيل، بالإضافة إلى 15 ألفا آخرين تم نقلهم جواً في عملية سولومون/سليمان، عام 1991. لكن الموساد احتاج في منتصف 1986 إلى مسار سري آخر، والمجموعة الأولى من الصغار كانت بمثابة كتيبة الاستطلاع التي ستدشن هذا الطريق الجديد.

رجل الموساد، تمتع بخبرة واسعة في تهريب اليهود الإثيوبيين إلى إسرائيل، وتحديداً عن طريق السودان. الخطة التي عرضها الرجل على عائلات مجموعة مكونة من 27 شخصاً، كانت على وشك تغيير مسار حياتهم، لكن ليس بالضرورة نحو الأفضل.

في النهاية، لم يصل منهم سوى 23 شخصاً إلى إسرائيل. فقد كابدت المجموعة أوقاتاَ عصيبة على طول الطريق، لم تخلُ من عنف وحشي واستغلال جنسي والسجن في بعض الأحيان، ما ترك أفرادها يعيشون تبعات تلك الرحلة حتى هذا اليوم.

ووفق هآرتس، العملية التي تم الحفاظ على سريتها آنذاك، لم يعلم بشأنها سوى أشخاص قليلين ضمن المؤسسة الدفاعية والسياسية الإسرائيلية، حتى أن وزير الخارجية آنذاك لم يعلم عنها. إلا أنها سرعان ما تحولت من “وعد” إلى “فشل”، ما أفضى إلى التوقف عن محاولة تهريب اليهود الإثيوبيين إلى إسرائيل من خلال جيبوتي.

كان الفوج المهرب عبر جيبوتي مقسماً إلى ثلاث مجموعات صغيرة، تم إخلاؤهم من غوندار على مراحل استغرقت بضعة أسابيع. المجموعة الأولى مكونة من سبعة أشخاص، بينهم امرأتان، إحداهما تدعى يشيورك داويت، ولم تتجاوز 13 عاماً من عمرها آنذاك. كانت واحدة من ثمانية أشقاء، دفعتها والدتها للحاق بالركب رغم صغر سنها. كانت داويت واحدة من الناجين من عملية جيبوتي الذين تحدثوا إلى هآرتس.

وقالت للصحيفة إنها أُخبرت بأن “الطريق من المفترض أن يكون سهلاً وسيستغرق أربعة أيام.. بداية من مدينة وولو، ثم مدينة كومبولشا، ثم سنعبر إلى جيبوتي باستخدام حافلة، ومن هناك سنطير إلى باريس، ومن باريس إلى إسرائيل”.

وبحسب روايتها، فقد وصلت مع رفاقها بسرعة إلى وولو، شمال شرقي إثيوبيا، مشياً على الأقدام، وباتوا هناك بصفة سياح. انتظرت المجموعة دليلاً سياحياً جندته الموساد، لكنه لم يظهر. والانتظار امتد لثلاثة أشهر، ما تسبب باشتباه السكان المحليين بهم. غادر أربعة منهم وعادوا إلى منازلهم وقراهم، وبقي ثلاثة، داويت واحدة منهم. وصل الدليل السياحي التابع للموساد بعد مدة. وهو ينتمي لقبيلة كبيرة ومعروفة من البدو الذين يقطنون المنطقة الحدودية بين إثيوبيا وجيبوتي، وكان يعرف المنطقة جيداً. وتتابع داويت “أخبرونا أنه سيرافقنا حتى نلتقي رجلاً آخر سيرافقنا بدوره إلى جيبوتي”.

قطع أفراد المجموعة صحراء شاسعة في مدة قاربت الأسبوع تحت أشعة شمس أغسطس الحارقة، مجبرين على تحمل العطش والمرض، ومواجهة اللصوص والحيوانات المفترسة. في نهاية الطريق، وجدت داويت نفسها في مواجهة البحر، إنه ميناء جيبوتي. “كان أحدهم بانتظار مجموعتنا قبالة السفن”، بحسب قولها.

وأضافت “أخذنا إلى كوخ به مرتبة للنوم. كانت تلك الليلة الأولى التي تمكنا فيها من الاستراحة”، لكنها كانت الليلة الأولى التي يجري فيها اغتصابها أيضاً.

وبحسب داويت، فقد كبح الدليل تصرفاته في البداية، “لكنه فعلها بالليل عندما نمنا جميعنا في الكوخ. صرخت وبكيت. وفي الصباح أخبرت الرجل الذي قابلنا في الميناء أنني سأنتحر إن لم يقم بإبعادي عن الدليل”.

لاحقاً، تم نقل داويت والشابين المرافقين لها إلى منزل واسع في ضواحي مدينة جيبوتي العاصمة، حيث قابلت رجلاً إثيوبياً قال إنه قادم من إسرائيل لتنسيق أمر جوازات سفرهم. أخبرها الرجل “إذا تم الإمساك بكم، لا قدر الله، فأنا لا أعرفكم وأنتم لا تعرفونني”. وبنبرة تفاوتت بين الأمر والتحذير، قال لهم “لا تذكروا كلمة (إسرائيل) تحت أي ظرف مهما كان. وأي منكم يتم الإمساك به سيموت وحيداً”.

تحذير تكرر على مسامع داويت عدة مرات. وبدأت مرحلة انتظار جديدة، لكن هذه المرة لبقية المجموعة القادمة من إثيوبيا. مكثت داويت ورفاقها في المنزل لأسابيع، إلى أن وصلت بقية المجموعة. وخلال تحضيرات رحلتهم داهمتهم الشرطة واقتادتهم جميعاً إلى الحبس، حيث تم تعذيبهم كونهم اتهموا بانخراطهم بمحاولة انقلاب.

لاحقاً، تم إطلاق سراحهم، لكن إلى سجن آخر في إثيوبيا، مكثوا فيه أربعة أشهر قبل نقلهم إلى سجن آخر في أديس أبابا، يطلق عليه اسم “نهاية العالم”، حيث تعرضوا لأقسى أنواع العذاب والعنف.

فجأة، أطلق سراح المجموعة، ليجد أفرادها أن الشخص الذي يقوم بإخراجهم هو ضابط موساد كانوا قد قابلوه في جيبوتي. أخبرهم الرجل أنهم سيتابعون رحلتهم إلى إسرائيل، مرة أخرى، لكن من خلال السودان! ورغم إغلاق طريق التهريب الذي كان معتمدا من خلال السودان رسمياً، بعد افتضاح أمره، كانت شبكة تهريب ساعدت في تهريب البعض إلى إسرائيل سابقاً، لا تزال تمارس عملها.

وبالفعل، جرى الاتفاق مع المهربين لنقل الإثيوبيين من خلال السودان. فاستقلت المجموعة إحدى حاويات الشحن، التي قادتهم إلى وسط الصحراء، حيث وجدوا طائرة من طراز “هيركيوليز” بانتظارهم. صعدوا جميعا على متن الطائرة التي أخذتهم إلى إسرائيل. لكن داويت لم تكن معهم، واعتقدوا أنها ماتت.

الحقيقة كانت أن داويت تم نقلها إلى المستشفى قبل اعتقال المجموعة في جيبوتي. لكنها اعتقلت لاحقاً خلال بحثها عن رفاقها لمدة تجاوزت العام، قالت إنها تعرضت خلالها لأفظع أنواع الاغتصاب والتعذيب. عقب إطلاق سراحها، عاشت حياة المتشردين. فنامت على جوانب الطرقات، حتى اهتدت إلى عمل في منزل، ثم في مستشفى، إلى أن تمكنت من التواصل مع عائلتها التي اعتقدت أنها ماتت.

وفي وقت لاحق، تواصل معها رجل من باريس قائلاً “نعرف إنك على قيد الحياة، ونعمل لإخراجك من مكانك بسرعة. عليك القيام بما أخبرك به تماماً”.

تم تأمين رحلة داويت إلى باريس، ومن ثم إلى إسرائيل، خلال أسابيع من تلك المكالمة. واجهت داويت الحبس والمرض والعنف والاغتصاب، وفي نهاية المطاف، وصلت إلى إسرائيل عقب رحلة تخللتها مصاعب لا تزال حاضرة في ذهنها، كما لو أنها وقعت حديثاً. “.. لا أريد أن أتذكر شيء.. لو تمكنت من مسح ما برأسي فسأقوم بذلك.. أشعر بالخزي والذنب”، تقول داويت.

وتتحدث الصحيفة عن أسئلة كثيرة حول دور الموساد في فشل العملية من حيث سوء التنسيق وتأخر عملية الإنقاذ ومدة الحبس المطول التي تعرض لها أفراد المجموعة، وغيرها من أسباب المعاناة التي كابدتها في طريقها إلى إسرائيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى