موت السياسة والعودة إلى “الكهوف”
محمود الريماوي

كان تعبيرٌ مثل موت السياسة يحمل معاني مثل تأميم الحياة السياسية، أو نشوب نزاعات أهلية طاحنة، أو تفكك نظام سياسي ما، وتضاؤل نفوذ أحزاب وقوى سياسية تاريخية أو الاندفاع لنشاطات دينية وترفيهية واستهلاكية، وطرح السياسة جانبا، غير أن هذا التعبير يرتدي محمولاتٍ أخرى في زمن وباء كورونا، فصانعو الرأي العام، في هذه الآونة، هم وزراء الصحة وكبار الأطباء، والباحثون في مراكز العلوم البيولوجية والطبية، لا قادة الدول والفاعلون السياسيون من شتى الاتجاهات.
وفي حين أبدى خبراء استراتيجيون تطيّرهم من نشوب حرب عالمية ثالثة، لأسباب تتعلق بالتسابق المحموم على الأسواق، أو استشعار فائض القوة مع تطور العلوم والصناعات العسكرية، وفي ظل نظام دولي يتسم بالفوضى والسيولة، فإن أحداً من الخبراء، أو الرائين، لم يتوقع أن يطلق هذا الحرب فيروس.. وأن يجعل من القارات الست ميدانا لهجومه المباغت، ومن الأسرة البشرية هدفا له، بغير تمييز بين الأعراق والأديان والمراتب الاجتماعية والاقتصادية والمعنوية للبشر المستهدفين. وبينما يتضخّم حجم الخسائر البشرية والاقتصادية يوما عن يوم، فإن حضارة البشر تثبت أمام هجمة الفيروس أنها على درجةٍ من الهشاشة والضعف الداخلي، إذ في ظل هذه الحرب، يُحظر على البشر التمتع بأبسط حقوقهم الاجتماعية، مثل تنظيم اللقاءات بين الأصدقاء والزملاء والأقارب والجيران. وبهذا، نجح الفيروس في إعادة الناس قرونا سحيقة إلى الوراء، حين كانوا يعتصمون بكهوفهم مخافةً من مصادفة الحيوانات المفترسة لهم. والفرق الآن أن الكهوف أضحت أفضل تشييدًا وأكثر اتساعا، لكن إنسان العصر يفقد عاداته وأنماط حياته، بينما إنسان الأدغال لم يكن يتوفر على ذلك الترف، كي يخسره ويستشعر فقدانه، كما حال إنسان هذا اليوم في جميع المراكز الحضرية، والذي يتلقى عقاب العزل والتباعد الاجتماعي طائعاً وصاغراً، في صيغة أقرب إلى الحبس المنزلي والإقامة الجبرية.
في هذه الظروف، تسعى الدول إلى ضمان تدفق الحاجيات الأساسية لمواطنيها، وتواجه، خلال  ذلك، معضلات تنظيم آلية الإنتاج والتسويق والتوزيع في ظل العزل الاجتماعي، مع السعي إلى تأمين المستلزمات الطبية، وإيصالها إلى أكبر قاعدة، حتى لا يتضاعف عدد المصابين بمتوالية مريعة، مما تنوء به مرافق الاستشفاء، على ما يحذّر بلد متطور مثل سويسرا، فكيف بالدول الأخرى قليلة التطور في سائر الميادين، بما في ذلك إدارة الأزمات.
من المبكر الحديث عن النتائج الاقتصادية متوسطة المدى، غير أن العزل الاجتماعي يسهم في خفض الاستهلاك لسلع حيوية، منها البترول، وذلك مع حظر السفر إلى الخارج والتنقل الداخلي وهبوط وتيرة الإنتاج والتشغيل، وهو ما يفاقم من تدني أسعار البترول وميزانية الدول المنتجة ومساهماتها في هيئات دولية، وفي دعم بلدان فقيرة. ومع انخفاض أسعار هذه السلعة، ينخفض حجم المشاريع وفرص العمل. وفي هذا النطاق، تنخفض صناعات كبرى، مثل صناعة السيارات وتوريدها واستيرادها. وتتزايد، تبعاً لذلك، قطاعات الإنتاج والخدمات التي يلحقها الضرر الشديد.
وللأسف، تزداد ملامح الكابوس الجاثم وضوحا وخطورة في حال استمرار تفشي المرض، ما قد يصيب شرائح حيوية تدير الدول وتقودها، وتمسّ مرافق حسّاسة تتعلق بالأمن والاستقرار العام، ما قد يوفر فرصة لظهور أشكال من الانفلات الفردي والجماعي والجرائم المنظمة والعشوائية.
والتصريحات التي تنذر بالخطر، ويدلي بها مسؤولون في ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وغيرها، تستشعر مثل هذه المحاذير القصوى. أما الدول الديكتاتورية، المنتشية بقدراتها على القمع، فإنها لا تبدي أي درجات من القلق، بل ينبئ صمتها وتصريحات مسؤوليها بالثقة في قمع المرض واستئصاله (من دون تبيان كيف يمكن العثور عليه والقبض عليه). وكما بدا في صورة لزعيم كوريا الشمالية وسط عدد من قادته العسكريين، وقد انفرد في الصورة بعدم ارتداء كمّامة.. وفي بلدان أخرى، مثل روسيا وسورية، ممنوع دخول المرض إلى هذين البلدين. وفي دول أخرى، توفر مكافحة المرض المزعومة غطاء لمكافحة المعارضة، وأية أصوات ناقدة. وبذلك يتضاعف موت السياسة.
هذا فيما بقية الدول توقفت عن تبادل الزيارات واللقاءات مع زعماء الدول الأخرى ومسؤوليها،  وحتى النشاطات والاجتماعات الرسمية تقلصت إلى حد بعيد، فمجلس الوزراء الأردني اجتمع أعضاؤه عن بعد، واللقاء الرباعي بين زعماء تركيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا جرى أخيرا بنظام الفيديو كونفرانس. ومن المتوقع أن تنحسر، في الأيام المقبلة، هذه النشاطات مع انكفاء أغلبية الدول على متابعة مستجدّات المرض داخل بلدانها. وإذا ما استمر الوضع على هذه الوتيرة، فإن مناسبات شديدة الأهمية، مثل الانتخابات الرئاسية الأميركية، سوف تتأثر إلى حد بعيد، وحيث من المقدّر أن يسيطر موضوع مكافحة المرض والرعاية الاجتماعية على ما عداه، وقد لا تجرى هذه الانتخابات في موعدها في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.
لقد تحولت الحكومات إلى خلايا أزمات، مهمتها التعامل مع المصابين ومنع تفشي المرض. وكذا حال البرلمانات والنقابات والجمعيات المهنية والبلديات، بينما تنقسم الموالات والمعارضات حول سبل التصدّي للمرض، وتطويق آثاره الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، مع تقهقر الانشغالات المتعلقة بتجويد الحياة العامة والحريات الفردية والجماعية. وأن تنبري الجيوش للانتشار هنا وهناك، لتنظيم الحياة والسيطرة على حركة الشوارع، وبالأحرى على تقييد هذه الحركة، ففي ذلك مظهر من مظاهر الحرب على العدو غير المرئي الذي يهدّد الحياة البشرية ومصادرها. وذلك بعد أن “اختار” هذا المرض البدء بالهجوم على دول كبيرة وقوية، مثل الصين وإيطاليا وكوريا الجنوبية وإسبانيا وإيران وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة. وهي “رسالة” تدرك الدول الضعيفة والصغيرة مغزاها.
أجل، إنها حرب عالمية، بمعنى أنها تخاض ضد العالم. وليس من المصادفة أن تجد حلفاء موضوعيين لها في الديكتاتوريات والأنظمة المتخلفة التي تعادي الحياة، ولا تتوقف عن التهديد بمزيد من بسط النفوذ وإثارة الصراعات، حتى في هذا الظرف الحالك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق