ناشطون ومحاضرون فرّوا من العنصرية في إسرائيل

السياسي – تحت عنوان “المغتربون الجدد” تحدثت مجموعة يساريين إسرائيليين ضمن تقرير صحافي عن مغادرتهم البلاد واستقرارهم في عواصم غربية بعدما فاض بهم وملوا ودفعهم اليأس من السلام للبحث عن أفق آخر في رحاب العالم.

تقول صحيفة “هآرتس” في ملحقها إن هؤلاء الناشطين كافحوا وصارعوا على هوية “المجتمع الإسرائيلي” بعدما أسسوا منظمات وحركات يسارية قبل أن يستوطن فيها اليأس من سياسات حكومات الاحتلال ويدفع بهم لخارج البلاد.

وتشير إلى أن عشرات الناشطين اليساريين الإسرائيليين قد غادروا البلاد في العقد الأخير بعدما كانوا ينتمون لـ”اليسار الراديكالي” ومن بينهم ناشطون بارزون ساهموا في إقامة منظمات هامة مثل “بتسيلم”، “يكسرون الصمت”، “تحالف النساء من أجل السلام”، “ذاكرات”، “ماتسبين” و”السنة 21″. كذلك من بينهم أكاديميون بعضهم تم إبعاده عن عمله بسبب مواقفه السياسية ومثقفون وأصحاب مهن حرة ممن شعروا بعجزهم عن التعبير عن رؤيتهم في إسرائيل دون خوف.

وتضيف “هآرتس” عن هؤلاء: “كثيرون منهم جاء من قلب اليسار الصهيوني وابتعدوا لجهة اليسار في مواقفهم أو أن إسرائيل ابتعدت عن مبادئهم المهمة لهم حتى شعروا أنه لم يعد لهم مكان داخل حيز العالم الجماهيري فيها”. وتناثر هؤلاء في أرجاء المعمورة في محاولة لبناء حياة جديدة لهم دون صراعات داخلية وخارجية وسط اهتمام بمستقبل أبنائهم ويحاذر معظمهم في وصف أنفسهم كلاجئين سياسيين “لكنهم يوضحون أن مناهضتهم للمؤسسة الإسرائيلية الحاكمة قد دفعتهم للمغادرة أو على الأقل لعدم عودتهم”، كما توضح “هآرتس”.

لهجة وجع

كما تشير “هآرتس” إلى أن بعضهم رفض التحدث معها بسبب الشعور بالحرج حيال مغادرتهم وكي لا تحول رغباتهم الشخصية لنموذج بالنسبة للآخرين. وتقول الصحيفة إن هؤلاء هم من أول من يعترف بامتيازات مكنتهم من مغادرتهم لبلاد أخرى لأن “أيا منهم لم يغادر لمستقبل اقتصادي سيئ أو ليعمل في عمل صعب ومع ذلك فهم يتحدثون بلهجة ألم”.

ومن هؤلاء الباحثة في صور النكبة دكتورة أرئيلا أزولاي وزوجها بروفيسور عادي أوفير من مؤسسي “السنة 21” ورافض الخدمة العسكرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. ورئيسة منظمة “بتسيلم” بروفيسور عنات بيلتسكي وزوجها أليكس بيلتسكي الخبير بالدعاية والنشر، ومديرة منظمة “يكسرون الصمت” دانا غولان ومؤسس منظمة “بمكوم” بروفيسور حاييم يعقوبي مع بروفيسور حنان حافير المشارك في تأسيس منظمة “يوجد حد” والمؤرخ البارز بروفيسور إيلان بابيه ويونثان شابيرا طيار سابق في سلاح الجو ومن المبادرين لـ”مذكرة الطيارين الرافضين” والمشارك في حملات التضامن مع غزة وبروفيسور نيف غوردون مدير عام منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان” وناشط في منظمة “تعايش” ومؤسسة دار النشر “الأندلس” والناشطة في التجمع الوطني الديموقراطي ياعيل ليرر وغيلا سابيرسكي من مؤسسات “نساء من أجل السلام” والدكتور يونتان بن آرتسي ابن شقيق سارة نتنياهو زوجة رئيس حكومة الاحتلال والذي اعتقل لعامين لرفضه الخدمة في الجيش الإسرائيلي والبروفيسور حاييم براشيت الناشط في حركة المقاطعة الدولية والدكتور مارسلو سبيرسكي من مؤسسي منظمة عربية- يهودية في الجليل وإيلانة برونشطاين ونيف غال وساعر وروزين بشارات.

وتنوه “هآرتس” إلى أن هؤلاء لحقوا بمن سبقهم بمغادرة البلاد قبل سنوات كثيرة لأسباب سياسية ومنهم يغئال أرنس ابن وزير الأمن الأسبق موشيه أرنس وناشط في منظمة “ماتسبين” وناشطون آخرون في “ماتسبين”: موشيه محوبار، عكيفا أور، شيمعون تسبار- تركوا في ستينيات القرن الماضي مثلهم مثل رجال السينما ايل سيون، سيمون بيطون واودي الوني ابن وزيرة الثقافة الإسرائيلية الناشطة من أجل حقوق الإنسان شولميت ألوني ممن تركوا في ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم.

وتوضح أن كلمة “يأس” تتكرر في الأحاديث مع الإسرائيليين المغادرين ممن ظنوا أن أجواء ما بعد اتفاق أوسلو قد دفعتهم للاعتقاد باحتمال شق طريق لتحقيق هدفهم وما لبث أملهم أن خاب بشكل عميق. ويتفق هؤلاء أن أي تغيير مهم لن يأتي من داخل إسرائيل بل من خارجها.

لا يوجد أفق للسلام

وتكشف “هآرتس” في تقرير موسع أن الدكتور إيتان برونشطاين (60 عاما) قد غادر وزوجته الينور مارزا (40 عاما) البلاد في ديسمبر/ كانون الأول الأخير. وبرونشطاين وزوجته ناشطان يساريان بارزان وقد أسسا قبل 20 عاما منظمة “يذكرن” المختصة بتعميم رواية النكبة التاريخية الفلسطينية على الإسرائيليين باللغة العبرية ومحاولة إقناعهم بأن تسوية الصراع غير ممكنة قبل اعتراف إسرائيل بمسؤوليتها عن النكبة وبعودة اللاجئين لديارهم. ومارزا خبيرة بالانتيربولوغيا السياسية وفرنسية الأصل والدتها يهودية ووالدها من أصل شركسي وقد غادرت لأنها لم تعد تحتمل ما يجري أيديولوجيا، سياسيا ومهنيا كما تقول، واليوم استقرت في بروكسل وزوجها حيث وجدت لها مصدر عمل. في حديث هاتفي مع “هآرتس” يقول برونشطاين إنه ما زال يستصعب الاعتراف بأنه غادر ويقول إنه ينظر على ما جرى كـ نوع من الجلاء وخروج من “مركز إسرائيل”.

وكان برونشطاين قد وصل البلاد بعد النكبة مهاجرا جديدا وهو طفل مع أسرته اليهودية من الأرجنتين وسكنت في قرية تعاونية تدعى “بوحان” في منطقة وادي الحوارث داخل أراضي 48 ولاحقا استبدل اسمه كبقية المهاجرين اليهود من كلاوديو لإيتان. وعما جرى يقول لـ”هآرتس” ضاحكا: “أحمل معي الثورة الصهيونية”، ويصف نفسه “إسرائيليا عاديا خدم في الجيش كبقية المهاجرين اليهود”. ويوضح أن عملية نزع الهوية الروحية الاستعمارية من هويته الصهيونية دفعه عام 2001 لتأسيس منظمة “ذاكرات” بهدف تعميق وعي الإسرائيليين للنكبة ولحق عودة الفلسطينيين.

ويكشف برونشطاين أنه أب لخمسة أبناء- ثلاثة يقيمون في إسرائيل وواحد في البرازيل وطفل في الرابعة معه في بروكسل. ويتابع: “الأمر الوحيد الذي أشعر فيه متصالحا مع نفسي هو الحاجة لإنقاذ طفلي من التربية العسكرية القومجية في إسرائيل وأنا سعيد بإخراجه من هناك”. ويقول إن سؤال البقاء في البلاد قد أشغله كثيرا بعدما غادر كثيرون من أصدقائه الجيدين بعدما لم يعد بمقدورهم الاستمرار. ويتابع: “كل الأشخاص المتشابهين بسيرتهم السياسية يشعرون أنهم قد هزموا ولم يعد بمقدورهم التأثير داخل إسرائيل بشكل جوهري. بمفاهيم عميقة لا نرى أفقا للتصليح وللسلام الحقيقي وللحياة بمساواة. أدرك كثيرون ذلك وبحثوا لأنفسهم عن مكان للعيش فيه وفي البلاد هناك ضرب من الجنون والآن عند النظر له من بعد يبدو قليلا أكثر سواء”.

الحل من الخارج فقط

ويعتقد برونشطاين أن الحل لن يأتي عن طريق الإسرائيليين وهو ممكن فقط من خلال ضغوط خارجية، ويقول إنه يعقد الآمال بحركة المقاطعة الدولية ومن هذه الناحية سيكون له دور مهم كونه يقيم في بلجيكا الآن. ويبدي بروفيسور نيف غوردون (54 عاما) شعورا بالفشل في التأثير رغم نشاطه الواسع وهو قد انضم لمظاهرات حركة “السلام الآن” وهو بالخامسة عشرة من عمره وأصيب خلال خدمته العسكرية بشكل بالغ، وخلال الانتفاضة الأولى عمل مديرا عاما لمنظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان” ولاحقا نشط في منظمة “تعايش” ومن مؤسسي المدرسة العربية- اليهودية في بئر السبع، وفي الانتفاضة الثانية كان ناشطا في حركة رفض الخدمة في الجيش الإسرائيلي.

وغوردون معروف جيدا للإسرائيليين بعدما نشر في 2009 مقالا في “لوس أنجلوس تايمز” بصفته رئيسا لقسم العلوم السياسية في جامعة بئر السبع وفيه عبر عن دعمه لحركة المقاطعة الدولية ونعت فيه إسرائيل كـ”دولة أبرتهايد” مما أثار ردود فعل واسعة محليا وعالميا وتعرض لتهديدات على حياته قبل أن تغلق كلية العلوم السياسية في الجامعة نكاية به. وقبل ثلاث سنوات انتقل غوردون وزوجته دكتورة كاترين روتنبيرغ رئيسة علوم الجندر في الجامعة نفسها إلى بريطانيا سوية مع ولديهما واليوم هو بروفيسور محاضر في  القانون الدولي وحقوق الإنسان في جامعة لندن.

وردا على سؤال يوضح بروفيسور غوردون أنه لم يغادر وزوجته بسبب تهديدات على حياته أو نتيجة  صراعه مع المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية إنما ما حسم الأمر هو  القلق على مستقبل ولديهما. وتابع: “لا أرى أفقا سياسيا وعندنا ولدان مع كل ما تعنيه تربيتهما في إسرائيل حيث كنت أحب عملي أكثر من عملي الراهن في لندن. ليس سهلا أن تترك مجتمعا عشت فيه وطلابا تعرفهم. حتى أننا لم نخطط للبقاء في بريطانيا عندما وصلناها ولو كنا شبابا بدون أولاد فلست واثقا أننا كنا سنبقى. أن تقوم وتغادر بجيل خمسين عملية ليست سهلة. يراودني شعور بالفشل الشخصي وبفشل المعسكر كله”.

وردا على سؤال آخر يقول إنه لم يشعر في لحظة معينة بضرورة المغادرة لأن الحديث يدور عن مسيرة تراكمية نتيجة تفاقم حالة التطرف في إسرائيل والعنصرية المستشرية أنتجت شعورا بعدم الانتماء للمكان الذي نعيش فيه.

ويتابع: “كذلك  القدرة على التعبير بحرية ضد واقع العنصرية هذه أصبحت غير ممكنة، وهذه الضربة الحاسمة. بعدما قلت إن إسرائيل دولة آبرتهايد وأعربت عن دعمي لحركة المقاطعة الدولية تحولت لمنزوع الشرعية ولمحط سخرية وعندها تسأل ذاتك من أجل ماذا أنت تفعل كل هذا؟”.

وهل إسرائيل تغيرت أم أنت؟

“كي أكون نزيها أقول إن التغيير حل بي دون شك وفي الدولة أيضا فقد مررت بتغييرات وفهمت أن الصهيونية لا تستطيع أن تحتوي في داخلها حلا للصراع”.

كذلك زميله في كلية العلوم السياسية بروفيسور حاييم يعقوبي غادر البلاد أيضا وهو من مؤسسي منظمة “بمكوم” المختصة بتخطيط البناء الفلسطيني ومنذ ثلاث سنوات يقيم في كامبريدج وزوجته وثلاثة من أبنائهما، وهو الآخر يوضح أن ما دفعه للمغادرة ليست ملاحقته ويضيف: “بالنظر بتأمل للواقع السياسي الإسرائيلي استمرارا للمشروع الاستعماري في الضفة الغربية وتحويل إسرائيل لدولة آبرتهايد فإن السؤال هو هل هذا ما أريده لي ولأولادي؟”.

شرطة الأفكار في الجامعات

ويرى أن هجرته بجيل متأخر تعني القول إنه يئس، لافتا إلى أن فقدان الأمل بالنسبة له ينبع من مشاهداته لما تشهده إسرائيل كدولة وكمجتمع، وتابع هو الآخر: “هذا ليس قرارا يتخذ في يوم واحد. نحن لم نغادر إسرائيل بسبب الكلفة المرتفعة لمنتوجات الألبان ففيها لم ينقصني شيء وأنا ابن الطبقة الوسطى. كان مرعبا التفكير بالهجرة للخارج وإعادة إنتاج ذاتك من جديد. لم أصبح سائق تاكسي هنا في بريطانيا لكن الهجرة تعيدك عدة خطوات للخلف. خفت أن أقوم بالهجرة لكن كان ما هو أشد من الخوف”.

ويشير إلى أن كثيرين من زملائه رأوا بمغادرته خيانة حتى لدى اليساريين الراديكاليين وهذه شكلت مفاجأة له لكنها لم تغير موقفه ويضيف بأن “العنف السياسي داخل إسرائيل أقنعه بضرورة المغادرة كخيار وحيد”. ويقر بتغير المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية من ناحية حرية التعبير المتاحة فيها بعدما تسللت ” قوى سلبية وذات إشكالية سياسيا للجامعات وعملت كشرطة أفكار في كلياتها”.

وتنوه “هآرتس” إلى أن الجامعات في إسرائيل لاحقت هؤلاء وضيقت الخناق عليهم بشكل غير مباشر من خلال عدم تدريجهم الأكاديمي كـ محاضرين كما حصل مع دكتورة أرئيلا أزولاي المختصة بدراسة الثقافة البصرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق