نتنياهو : الضم ومأزق إسرائيل التاريخي
أشرف العجرمي 

يتبجح رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن له موعداً اتفق عليه مع شريكه بيني غانتس رئيس الحكومة البديل في شهر تموز القادم لتطبيق السيادة الإسرائيلية على مناطق فلسطينية محتلة، وأنه ملتزم به على اعتبار أن هذه فرصة تاريخية لم تحدث لإسرائيل منذ النكبة عام 1948، وأنه لن يسمح بتفويت هذه الفرصة، أي أنه يقول للعالم أجمع أن الضم قادم ولا شيء يثنيه عن هذه الجريمة. ولكن تقريباً في كل مكان من الكرة الأرضية  وقسم من الإسرائيليين لا يقبلون ما يعتقد نتنياهو وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه من حق إسرائيل، ولا يشكل خرقاً للقانون والقرارات الدولية.

يستطيع نتنياهو أن يهنأ بعدم بوجود رادع دولي جدي يمنعه من تطبيق وعده الانتخابي وخطة الإدارة الأميركية المسماة “صفقة القرن”، حيث يتمتع بحصانة توفرها له الولايات المتحدة في مجلس الأمن. ولا يوجد جسم دولي يمكنه أن يفرض عقوبات على إسرائيل، حتى أوروبا التي تتمتع ببعض الأخلاق وترفض السياسة الإسرائيلية منقسمة على نفسها، ولم تنجح في إصدار بيان يمثل كل دول الاتحاد الأوروبي، هذا ما اعترف به وزير خارجية لوكسمبوغ جان أسبلون صاحب الموقف المتقدم الذي عمل على صياغة البيان والذي رفضت التوقيع عليه دولتا المجر والنمسا (وكالة الأنباء الفرنسية 17/5)، بل أن ممثلة الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط سوزانا ترسال قالتها بوضوح في تقريرها لاجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي أنه “لا رغبة لدى الدول الأعضاء في معاقبة إسرائيل في حال ضمت” أجزاء من الضفة الغربية.

وبرغم من جهود بعض الدول الأوربية وعلى رأسهم فرنسا التي تقود مجموعة تضم ألمانيا وإيطاليا وأسبانيا ولكسمبورغ وايرلندا تحاول التوصل إلى مخرج، وتهدد بإجراءات عقابية ضد إسرائيل في حال قامت بالضم وفقاً لتصريح وزير الخارجية الفرنسي جان- إيف لورديان لوكالة الأنباء الفرنسية. وعملياً هذا لا يمكن أن يكون موقف الاتحاد الأوروبي الجماعي، لأن دولاً عديدة سترفض التوقيع على قرار يفرض عقوبات ضد إسرائيل، فبعضها على علاقات جيدة بإسرائيل، وبعضها في تحالف مع الولايات المتحدة وتدور في فلكها. وأقصى ما يمكن توقعه هو صدور موقف فردي أو لمجموعة صغيرة على اعتبار أن ما تقوم به إسرائيل هو مخالفة قاطعة لقرارات مجلس الأمن وآخرها القرار 2334 الذي يفرق بين إسرائيل والمناطق المحتلة منذ العام 1967 بشكل لا يقبل الجدل أو أي شكل من الغموض.

كما أن نتنياهو يستطيع كذلك أن يعتمد على عدم وجود موقف عربي جدي يقف مع الفلسطينيين ويواجه السياسة الإسرائيلية حتى بمواقف سياسية حازمة وليس أكثر من ذلك. وبعض الدول العربية تجاهر حتى بعد إعلان إسرائيل نيتها في ضم أجزاء من الضفة الغربية بعلاقاتها التطبيعية مع هذه الدولة المارقة. فالطيران الإماراتي يأتي إلى مطار بن غوريون والطائرات الإسرائيلية تحط في السودان في مطار الخرطوم، وثلاث دول خليجية تطلب المساعدة الإسرائيلية في مواجهة كورونا، وهذا كله يحدث هذه الأيام وليس في الماضي لا القريب ولا البعيد. وفقط الموقف الأردني هو الذي يقلق إسرائيل بعد تصريح العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بأن أي ضم سيحدث صداماً واسعاً مع الأردن. وموقف الجامعة شكلي ولا أسنان له، بل تعمل دول عديدة على عكسه.

عملياً تنتظر إسرائيل فقط مصادقة البيت الأبيض على خطوة الضم حتى تقوم بالتنفيذ. وليس معلوماً بشكل دقيق ما هو الموقف الأميركي الحقيقي من الضم الآن أي في شهر تموز القادم، فهناك تصريحات ومواقف أميركية متناقضة تصدر حتى من الطواقم العاملة على خطة “ترامب” على غرار السفير الأميركي في إسرائيل دافيد فريدمان الذي تارة يصرح بأن هذا قرار إسرائيل داخلي وأنه في حال نفذت إسرائيل الضم ستعترف الولايات المتحدة بذلك في غضون أسابيع، وتارة أخرى يقول إن الضم أحادي الجانب يعرض للخطر رؤية ترامب. حتى وزير الخارجية مايك بومبيو عندما زار إسرائيل في 13/5 الجاري رفض الإجابة على سؤال عما إذا كانت الإدارة الأميركية تمنح الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بضم مناطق فلسطينية. وعلى كل حال الاعتبارات الأميركية ربما تعود لسياسة داخلية مرتبطة بمشكلات ترامب وبالعملية الانتخابية في شهر تشرين الثاني القادم، وهذا ربما ما يقرر توقيت المصادقة الأميركية، ويبدو أنها مسألة وقت ليس إلا، طالما ترامب في البيت الأبيض.

غير أن كل هذه الظروف المساعدة لنتنياهو والمشجعة له في قلب الطاولة والقضاء على فكرة حل الدولتين، لا تساعده في تحديد أي إسرائيل يريد. وربما هذا هو المأزق التاريخي الذي يعصف بمستقبل إسرائيل. وليس غريباً أن تكثر الانتقادات في أوساط القيادات الأمنية السابقة علناً والحالية سراً للخطة الأميركية، وهذا حال يهود الخارج والعديد من القيادات السياسية والباحثين العقلاء، فهذا ليس لحرصهم على حقوق الشعب الفلسطيني، بل لأن الضم يعني نهاية الحلم الصهيوني ويعني نهاية الدولة ذات الأغلبية اليهودية. فضم جزء من الأراضي المحتلة وفقاً لخطة ترامب يعني أنه لا يمكن أن تقوم دولة فلسطينية قابلة للحياة، ويعني أن إسرائيل ستعلق مع المواطنين الفلسطينيين وأنها ستضطر لاحتلال كل الأراضي الفلسطينية وربما ضمها بالكامل والعيش في دولة أبرتهايد ودولة ثنائية القومية، وهذا يمثل القضاء المبرم على الصهيونية. ولعل الخطوة التي قامت بها القيادة الفلسطينية بإلغاء العمل بالاتفاقات هي دق ناقوس الخطر لدى الإسرائيليين بأن القادم أسوأ وأننا لن نتراجع، بل سنذهب إلى الأمام إلى النهاية مهما كان الثمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق