نجاح بلماضي يكشف حاجة الموهبة للدولة “المحترفة”!
بشير عمري

في إحدى حوارته مع موقع “ألجيري بارت” ذكر المحامي الفرنسي الشهير ذي الأصول العربية إيلي حاتم، أنه سأل ذات مرة بوتفليقة عن سبب تأخر الجزائر في قطاعات عدة تتفوق في مواردها الطبيعية وعناصرها الأولية مثل السياحة على جيرنها، فأجابه بوتفليقة، بنزعته المركزية وهوس العظمة واحتقار الشعب الذي كان يحمله بسريرته، بأن السبب في ذلك “راجع أساسا إلى نقص الموهبة لدى الجزائريين”! وهي فرية كبرى تؤكد خطيئة من جاؤوا به كرئيس للبلاد  بطموح واحد لا ثاني له، وهو أن العالم كله الجزائر من خلال شخصه (بوتفليقة) وليس العكس، وأبسط دليل على الموهبة الجزائرية ما ينجزه مدرب في كرة القدم كان خيار رجال العصابة الأخير وهو يعبثون بالمال العام إذ يبحثون على مدربين بطالين أو مشتغلين في أحسن الأحوال في المجال الكرة داخل البلاتوهات الضيقة بزعم النقد والتحليل!

مؤكد أن اهتمامنا هنا ليس ينصرف قط إلى الجوانب الفنية لكرة القدم، التي لها نقادها وأهل ذكرها الحقيقيين طبعا وليس المزيفين، إنما سنركز على عامل النجاح فيها ببعده الوطني الذي سحر الناس وجعلهم يعشقون ويتشبثون بصاحبه والكلام هنا على جمال بلماضي الذي كرس بثقافة معرفة الأشياء والصدق في تجسيدها والحرص على ذلك بإفراط أن الاحترافية ليست تقف عن حد النقيض اللغوي في المعنى، كما علق بعقول الكثيرين من كثرة الخيبات، وليست انشاء يتداول لضرورة التداول مثلما هو دارج في الخطاب الاجتماعي، بل هي التمظهر والتجسيد الفعلي للرقي إلى مستوى التطور الذي بلغته الحضارة اليوم في تقنيات أشيائها ومشاريعها حضارة الاحتراف ممن يحترفون حقا الحضارة.

كان حلم بلماضي كحلم العديد من الاطارات والسياسيين في الجزائر، أن يكون على رأس منتخبها مثلما كان يأمل هؤلاء أن يكونوا على رأس البلد أو قطاع من قطاعاتها، فلماذا نجح هو في مهمته وارتكس الأخرون في حمأة ليس فقط الفشل بل الفساد والتعفن وولاحقهم جراء ذلك للعن الدائم في تاريخ الجزائر؟

جمال بلماضي نشأ في منظومات عدة تمضي في فلسفتها واعتمالها وفق نسق احترافي شامل، درس في مدارس فرنسا حيث المعلم محترفا كونه رسول للمعرفة والتنشئة المجتمعية، وليس في مدرسة معلمها هاو يتلقى راتبا شهريا بقيمة ما يحصل عليه متسول في يوم واحد في كبرى شوارع باريس أو نيو يورك، بلماضي تلقى أبجديات الكرة في مراكز تكوين وتدريب نواد محترفة تقودها عقول مستنيرة ومستثمرة في الموهبة، مراقبة باحترافية من إتحاد كروي سيد في قراراته مؤسسي في عمله يضم مجموعة من الأعضاء الأسياد وليس حفنة من الاماعة “الطماعة” لا تفكر في ستوى ما تصبوا إليه من تواجدها بالمكتب الفدرالي، بعدها لعب بلماضي في نواد محترفة مراقبة حسابتها المالية ومعاقبة بلا رحمة في حال ثبتت عليها تجاوزات بلا رشوة لمحافظ الحسابات ولا رشوة من الجهات الممولة للنادي بالمال العام، ولا عمولات تؤخذ مع اللاعبين الذين يتم انتدابهم تُقتسم مع أشباه الوكلاء، نواد لا تبيع ولا تشتري المباريات وإذا حصل أن أدين ناد بذلك تقوم القيامة وتسقط قامات ويتم إنزال النادي إلى أسفل الأقسام بلا اعتبار لتاريخه ولا لمدينته ولا لجماهيريه أو حظوته داخل السلطة.

هذي هي البيئة الاحترافية التي نشأ فيها جمال بالماضي عبر مستويات نشاطه وعمله مذ تفتقت موهبته وصارت محل رؤية وتركيز ومتابعة عينية من قبل المحترفين من المسيرين والمسئولين في فرنسا!

ماذا عن الاحترافية في الجزائر؟.

من سخرية المنطق أن نقد الاحترافية سبق فهمها في الجزائر، بحيث أن نقادها شكلوا السواد الأعظم عبر مختلف المنابر ولو سألت أحدهم عن مفهوم الاحترافية الاصطلاحي والوظيفي، فلن يزيد في جوابه عن المقارنة بين فرنسا (بيئة بلماضي) والجزائر، والسبب في نظرنا راجع لارادة عدم تمكين الاحتراف الشامل أن يأخذ مجراه في حياة ووعي الشعب:

أذكر في هذا السياق أنه عند افتتاح أول جلسة للبرلمان الجزائري في إحدة نسخه (المنتخبة) زارت إحدى القنوات التلفزية الخاصة بهو مقر البرلمان لتستفي وتستقصي النواب الجدد (المنتخبون) حديثا عن بعض جوانب وخصوصيات نشاط النائب، فعجز كلهم عن فهم المفردات التي تضمنها سؤال الاستقصاء، في صورة معبرة عن، ليس فقط اللا احترفية وليس حتى ما يخالفها اي الهواية، بل الجهل المدعم من قبل الارادة السياسية، نائب ترشح لمؤسسة لا يعرف طبيعة نشاطها، ولا تسمية تلكم النشاطات وعنواينها الوظيفية والقانونية، فعلى أي أساس ترشح؟ ومن رشحه و لأي دور؟

أكثر من ذلك حادثة تعيين وزير ثم اعفائه بعد حفل تسلمه للمهام من الوزير السابق بساعة، بسبب عدم اطلاع الجهات المختصة على الجوانب المتعلقة بحياته الشخصية ووضعية هذا الوزير مع الجهات القضائية، كانت الدلالة الكبرى على اللا احترافية التي تدار بها الدولة في أعلى مستوياتها، والرداءة التي نتجت عنها حالة الميوعة التامة التي أصبت قمة المسئولية في البلاد!

لهذا عندما جاء بالماضي الموهوب والمحترف من بيئة محترفة، عمل على تحديد مشروعه والأهداف من قدومه على رأس المنتخب، وتعيين شخصيا من يسيرون معه ويسيّرون الفريق الوطني وفق ذلك المشروع المسطور في جزئياته وتفاصيله بشكل دقيق، كما أنه طالب بعزل المنتخب عن محيطه الخارجي المتعفن فلا التماس ولا تماس مع من اعتدوا بسبب أو بدونه دخول مركز تدريب المنتخبات الوطنية، واشترط عدم التدخل في مهامه من أي كان في درجات المسئولية في البلد، فليست احترافيته تقبل بأن يكون سلطة ظاهرة في المنتخب لسلطة خفية تسيرها ومن وراء الستار، كما هو الحال مع السياسيين ومع مدربي كرة القدم من المتسولين بمهنة التدريب الذين يتم تعيينهم من رؤساء نواد جهلاء بخلاء فاسدين مفسدين يحتالون بانتدابهم لتدريب الفريق على أموال النادي التي لا تتأى للنوادي الوطنية إلا من الخزينة العمومية.

كل ذلك إذن، يبطل أكاذيب بوتفليقة التي حكم بها شعب لطالما تم استغفاله بالأكاديب ومزاعم الزعيم، فهذا الشعب زاخر منذ فجر التاريخ بالمواهب في كل المجالات السياسية الثقافية الرياضية والعلمية، لكن العقل المسير الفاسد المستبد الذي سرق البلد قبل ثمان وخمسين سنة أحبط كل إرادة وهوبة وكل موهبة مُرادة ومأمولة من الشعب تسهم في الارتقاء بالبلد من حضيض مفروض عليها، فنموذج نجاح جمال بالماضي جعل الكثير من شباب البلد اليوم يسيس ظاهرته بحكم اللحظة الثورية التي تعيشها الجزائر ويجزم الهؤلاء بالقول تبعا للشعار البائد في الخطاب الرسمي (الرجل المناسب في المكان المناسب) كإطار معياري لتحمل المسئولية أن جمال بالماضي هو الرجل الوحيد المناسب في المكان المناسب عبر كل مستويات المسئولية في الجمهورية.

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى