نحو مرجعية فلسطينية موحِدة
حيّان جابر

كثر الحديث، أخيرا، عن الخطوات الفلسطينية الواجب اتباعها للرد على الخطة الأميركية “سلام من أجل الازدهار” (صفقة القرن)، إلى أن كشف رئيس السلطة الفلسطينية، منظمة التحرير، حركة فتح، محمود عباس، عن الاستراتيجية الرسمية؛ أو عن غيابها في الحقيقة؛ في معرض الخطاب الذي ألقاه في مجلس الأمن. حيث أكد على استمرار النهج الرسمي نفسه المعمول به قبل الإعلان الأميركي من دون أي تغيير يذكر، سيما فيما يخص حماية الاحتلال أمنيا، والمضي بالخيار التفاوضي مسارا وحيداً وأوحد. وهو ما دفع كتابا ومفكرين ومناضلين فلسطينيين إلى مطالبة جميع المبادرات الفردية والجماعية المعارضة للنهج الاستسلامي ولخيار الدولتين إلى الانتقال من حالة النقد النظري إلى الفعل العملي، عبر توحيد هذه الجهود والمبادرات في إطار موحد وقادر على تحمل الأعباء والمهام الملحّة التي تقاعست السلطة والمنظومة السياسية الفلسطينية عن أدائها. كما ذهب إلى ذلك مقال عوض عبدالفتاح “توحيد المبادرات لا الاسترخاء في النقد”، في “موقع عرب 48” في 7/2/2020.
لذا، ونظراً إلى وجاهة هذه المطالب والدعوات وضروراتها الآنية والمستقبلية، وبغرض المساهمة في دفعها، ولو خطوة واحدة نحو الأمام، تحاول هذه المقالة تقديم بعض المحدّدات والنقاط والمرتكزات الأساسية التي قد تساهم في إنجاح هذه الدعوة، وفي تحويلها من مجرّد مبادرة سياسية أو ثقافية إلى خطوة عملية قادرة على تمثيل الفلسطينيين وحقوقهم ومطالبهم الشرعية والتاريخية، من دون إغفال أهمية صيانة الحق في التنوع الفكري والسياسي. لذا لا بد، في البداية، من التمييز بين توحيد الجهود وتوحيد المبادرات والبرامج السياسية، وهو ما سعى عوض إلى إيضاحه في مقاله، منعا لأي التباس قد يسوقه عنوان المقال؛ توحيد  المبادرات…؛ وعليه، ومن باب التأكيد على ضرورة هذا التمييز، يتم التأكيد هنا أيضا على أننا اليوم مطالبون بإيجاد منظومة عمل جماعي توحد جهود طيف واسع من الناشطين والمثقفين والمناضلين المبعثرين والمنتشرين داخل الوطن وخارجه، من دون أي مساس بحق كل منهم فرديا وجماعيا بالاختلاف والتمايز. بمعنى أننا لسنا مطالبين اليوم بإلغاء جميع المبادرات والبرامج التي طرحت في الأعوام السابقة لصالح الالتفاف حول برنامج محدّد يقصي الآخر وينتقص من قيمته السياسية والثقافية، وربما العملية أيضاً، بقدر ما نحن بحاجة إلى الاتفاق على مجموعة صغيرة وشاملة من النقاط الجوهرية التي تشكل بمجموعها مرجعية وطنية جديدة وحيوية تتمكّن من استثمار هذه الجهود ونشرها، بما يخدم قضيتنا الفلسطينية، أولاً، وبما يخدم التحدّيات والصعاب التي تواجه كل فئة أو تجمع فلسطيني على حدة.
ومن أهم هذه المحدّدات إعادة تعريف الشعب الفلسطيني، بما يضمن عدم استثناء أي فئة منه، باعتباره كل من كان يقيم إقامة عادية داخل فلسطين قبل العام 1947، وكل من ولد لأب أو أم فلسطينية، بعد هذا التاريخ وفي أي مكان. كما يستحسن أن يتضمن هذا التحديد بعداً حداثياً وواقعياً، قادرا على استيعاب المتغيرات الديمغرافية الحاصلة في فلسطين، من دون أن يؤدي ذلك إلى المساس بأيٍّ من الحقوق الفلسطينية الفردية والجماعية. وهو ما نقصد به على وجه التحديد إمكانية أن يتضمن كذلك السكان اليهود المتحرّرين؛ والذين قد يتحرّرون مستقبلاً؛ من الفكر الصهيوني، من معارضي سياسات الاحتلال وممارساته، والذين يرفضون المساهمة فيها، وخصوصا من انخرط منهم في مقاومة الاحتلال، وساهم في النضال لاستعادة حقوقنا المسلوبة بالقول أو بالفعل.
كما تمثل حدود فلسطين الجغرافية أحد أهم محدّدات الإجماع الفلسطيني التي لن ننجح من دونها  في بلورة إطار قادر على توحيد الجهود الوطنية؛ وصيانة الحقوق الفردية والجماعية؛ ومعالجة المصاعب والمعوقات الفئوية. لذا لا بد من استعادة تعريف الجغرافيا الفلسطينية الوارد في الميثاق الوطني الفلسطيني – فلسطين بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني وحدة إقليمية لا تتجزأ. ومنه ننتقل إلى محدّد جوهري آخر، ويمسّ شرائح واسعة من الفلسطينيين، سيما اللاجئين والمهجّرين، وهو التأكيد على حق جميع الفلسطينيين في العودة إلى فلسطين متى شاؤوا؛ وبالتالي حق أبنائهم كذلك بغض النظر عن مكان ولادتهم وزمانها، ومن ثم حق كل فلسطيني في التنقل والسكن أو العمل في أي بقعة من فلسطين من دون قيد أو شرط.
ثم لا بد من محدّد رابع، يتمثل في الحق في إقامة الدولة الفلسطينية الواحدة على كامل الأراضي الفلسطينية، على أسس ديمقراطية غير منقوصة، وبما يكفل حقوقا متساوية وعادلة لجميع مواطنيها من دون أي تمييز. وهو ما يفسح المجال أمام تبايناتٍ عديدة حول شكل الدولة وطبيعتها، بشكل حضاري وسياسي، بعيداً عن لغة التخوين والإقصاء والهيمنة، مع التأكيد على الاتفاق حول أهم مرتكزات الدولة المنشودة، كالشعب؛ الحدود؛ الديمقراطية؛ المواطنة؛ الحقوق. في حين يشدّد المحدد الخامس على حق الفلسطينيين الثابت في مواجهة الاحتلال. وبجميع  الوسائل المشروعة والمتاحة، وفق القدرات والإمكانات والظروف، إلى أن ننجح في تفكيك الدولة الصهيونية، باعتبارها وجودا سياسيا وكيانا عسكريا وأيديولوجيا عنصرية، بشكل نهائي، وهو ما يكفل الحق في المقاومة والنضال المسلح الفردي والجماعي، حينما نتمكن من تهيئة الظرف المناسب له.
وأخيراً، لابد من الاتفاق على محدّد يعرف الاحتلال والحركة الصهيونية أنها نظام أبارتهايد كولونيالي إحلالي، يعمل على تحويل كامل الأراضي الفلسطينية إلى “دولة يهودية” في خدمة منظومة السيطرة الإمبريالية على دول المنطقة. وعليه، يصبح من الممكن نظرياً تشكيل إطار جامع للجزء الأكبر من الفلسطينيين يصون الخلافات الفكرية والسياسية فيما بينهم، ويكفل صيانة الحقوق والثوابت الوطنية. وعليه، سوف يتمكّن من قيادة دفّة النضال الفلسطيني داخل الوطن وخارجه، حتى لو لم يمتلك إمكانات مالية ولوجستية ضخمة، وذلك عبر المراهنة على حيوية الفلسطينيين، وتطلعهم إلى معاودة حركتهم النضالية أو استئنافها، وبما يخدم أهدافنا الوطنية الأساسية بالحرية والعودة والسيادة على كامل الأرض. طبعاً هناك تحديات كثيرة تواجه مسار بناء إطار وطني جامع ومستقل عن فساد وزبانية القوى والفصائل الفلسطينية القائمة اليوم، منها التحدّي المالي، وتلك التحدّيات التي سوف تضعها وتخلقها القوى التقليدية كي تعيق أي ولادة جديدة قد تبعدها عن المشهد الرسمي، والتحدّي الديمقراطي والتمثيلي أو الانتخابي، وتعزيز سلطة الشعب باختيار ممثليه ومحاسبتهم وإقصائهم، إن اقتضى الأمر، وغيرها الكثير مما يتطلب تحليل كل منها بجدّية وواقعية وثورية حين يحين أوانها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى