نخب التخريب الثوري.. في المنهج والمُنتج!
بشير عمري

يجب أن نتفق في البدء على أنه أسوأ ما يمكن أن تقع فيه النخب من إجرام، إذا لم تجرم بالتواطؤ مع السلطة السياسية، هو أن تجرم بالحياد في لحظة يكون فيها المجتمع  بصدد تفعيل صحوة تاريخية يروم بها تصحيح مساراته الكبرى، فتفضل هاته النخب أن تحل محل السلطة السياسية في فرض منطقها في تلك المسارات لا بمواكبة حركة التدافع وتناظر الافكار والحوارات داخل المجتمع، هو شكل من أشكال الوصايا المتعالية ينتقل من شمولية نخب السلطة السياسية إلى شوفينية النخب الثقافية، والأدهى والأمر أن تزدحم تلك الارادات الثلاث (سلطة، نخبة وشعب في لحظة ثورية فيستعملها كل لأغراضه.

هذا ما يحدث اليوم بالضبط في الجزائر، إثر الخلخلة غير المتوقعة التي أحدثها الحراك الثوري في بنية السلطة التنظيمية وهرمية سلط المجتمع الأخرى، بعد أن حسب الساسة بأن عملية إزاحة الشعب عن الشأن السياسي التي تمت بالدم لعشرية كاملة وبالفساد لعشريتين متتاليتين، فاستراحت السلطة لانتصارها ذاك (على الارهاب) بوصفه انتصار على كل حركة تمرد مجتمعي خارج الأطر الرسمية تاريخا وشرعية وأفقا، فتبعها ساسة ممن يصطفون مع القوي يحضرون بانتظام اعراسها الانتخابية الصورية، ومعهم نخب مثقفة آثرت التحالف مع عنف السلطة السياسية على أن تتحالف مع مجتمع يبحث عن نفسه عن حريته منذ عقود ست انقضت من عمر الاستقلال.

ومع استمرار حالة الاحتراب الداخلي بين مختلف أطراف الصراع الثلاثة،  وداخل كل طرف حتى، حيث نظام يسعى لانقاذ نفسه، وحراك يريد أن ينبعث زخمه، ونخب مثقفة مترقبة متحفظة، استعصى على الكثيرين قراءة الأفق!

بيد أنه ما ينبغي التأكيد عليه هنا هو أن الرهان على المسار الانتخابي القهري سواء في 12/12 2019 الذي جيئ عبره بعبد المجيد تبون رئيسا، أو الاستفتاء على الدستور 01/11/2020، من أجل إعادة الروح لنظام سلطة الواجهة، قد أخفق، وهذا الاخفاق يعد في حد ذاته دلالة على قدرة الوعي الثوري الحراكي التدبيرية والتدميرية لأساساء البناء القديم، القدرة تحلت بها قطاعات واسعة من الشعب، وبالتالي صار هذا الأخير رقما جديا وفي المعادلة السلطوية بكل أشكالها في البلاد، بعد أن ظل لعقود مهمشا، ومحتقرا لا يملك من قيمته في الدولة أكثر من رمزية كونه مكون نظري من باقي عانصر الدولة، يتلقى ذلك ويتعلمه المواطن في التربية والعلوم السياسية بالمدارس، في التعريفات الكلاسيكية للدولة من أنها إقليم، شعب وسلطة فلا يرى ولا يعي غير هذا العنصر الأخير.

وسط هذا الاخفاق الذي فاقمه الوضع الصحي للرئيس الجديد، شرع  النظام مؤخرا يبحث وسط نخبه القديمة سواء تلك التي قطعت معه الحبل السري، أو التي لا تزال على تواصل معه، عن حل له يدفع به عن نفسه تهديد لحظة الوعي الجديد الذي فجره الحراك في باحة المجتمع بكاملها  .

هذا الحراك الثوري، سارع من جانبه، يبحث له عن فرصة العودة إلى زخم حضوره بالشارع، بعد أن أفلح كما جلته نسبة المقاطعة للاستفتاء حول الدستور، في البقاء حاضرا في العقول، في ظل التوقف عن المسيرات بسبب كوفيد19، حيث يرى الحراكيون أن المسار الذيرُسم وسُلك من طرف واحد قد آل إلى الفشل بعد أن استبدل منطق التغيير بمنطق التجديد، والمنطقان مختلفان إن لم يكونا متضادين، ذلك لأن التغيير يعني القطيعة أما التجديد فيتصل بالاستمرارية، وهاته الأخيرة كانت قد حملت عنوان وصفة ذيل العهد البوتفليقي المثار عليه.

وهنا نصل إلى طبيعة حضور النخب الثقافية التي، إذا لم تكن متفقة مع خارطة طريق السلطة، فهي غير متفقة كلية مع حركة الشارع الحراكي، لأن الثورة التي يحملها هذا الشارع ليست من وحييها ولم تستشر فيها، ولم تمنح سلطة قيادتها! رؤية متعالية دفعتها لأن تسلك مواقف متخاذلة في معركة مصيرية للمجتمع، بل ومواقف تذهب في الاتجاه المعاكس لمصلحة المجتمع،  من مثل فتح جبهة أخرى في الصراع الوجودي الحاصل بين سلط النظام والشرائح الوعي في المجتمع منها حرب الهوية! .

وإلا كيف يمكن النظر إلى موقفي مثقفين متناقضين في الصف وفي الرؤية، دون الحديث عن الفارق في المستوى المعرفي بالتاريخ، ونتحدث هنا عن الثائر الأستاذ فضيل بومالة والروائي أمين زاوي، إذ في الوقت الذي انحاز فيه الأول إلى حركة الشعب بوصفها محرك الرئيس للتاريخ، يسهم من خلالها باستنارته ورصيده المعرفي الوفير في تحقيق القصد الثوري التحريري من شمول سلطة تساقطت من على أشكالها كل مساحيق الشرعيات الزائفة، يقف علة النقيض منه أمين زاوي في وجه وحدة هاته الحركة الشعبية، من خلال ما يبطشه بوضيع ما يكتبه بفرنسيته الرديئة، من إثارة لملفات تأبى اللحظة الثورية تفتيحها الآن.

لقد قرأت مرة لبعض المتعصبين الشوفينيين ممن يدعون حمل القضية الامازيغية والدفاع عنها، هجومهم على الزعيم الشهيد عبان رمضان، لأنه ردع في أثناء الثورة، من سارعوا لاثارة القضية في تلك الظروف الصعبة والتي كان يمكن من خلالها أن يفتح الاستعمار ثغرا في صفوف الثوار ويعصف بوحدتهم، معتبرين أياه قد أخطأ ولو أنه تركها تثور (المسألة البربرية) ولو على حساب وحدة الصف الثوري التحريري لكان أفضل!

منطق أنتحاري طبعا، وليس ما يفعله اليوم أمين زاوي وأمثاله بأقل مما لام به هؤلاؤ المتعصبون لهاته القضية على الشهيد عبان رمضان، وهو بالتالي مسعى مسبق لتخريب الثورة الحراكية الشعبية ومعها تخريب أمل الأمة في الانتقال من مرحلة الجمود الاستقلالي إلى مرحلة البناء الفعلي والنوعي لمجتمع يحمل وعيا جديدا يروم من خلال تحقيق التغيير.   .

إذن، فنخب تخريب الثورة من أمثال أمين زاوي، ليست تهدف بسباحتها العارية عكس التيار سوى إلى حقن الحراك بجرع زائدة من الأدلجة، بحيث يعلو في داخله ووسط صفوفه صوت المطلب الخاص على صوت المطلب العام، فيتشتت ويذهب ريحه، وليس  من مستفيد حقيقي من هكذا منقلب سوى سلطة النظام السياسي القديم، وهذا ما يجعلنا نفهم بأن مشروع النخب الناشز المارق على إرادة الشعب هو إما أن تقود هي أي ثورة يقوم بها الشعب،  أو أن تعيده إلى أسر السلطة القديمة، والغريب أنها ظلت في أدبيات خطاتبها النظري الناقد والناقض للشعب تأخذ عنه لا ديمقراطيته، لا قابليته للحرية وللتعددية وللتنوعية و.. و.. فها هي ذي اليوم (نخب التخريب) تظهر أذل وأهزل من أن تحمل قيم العصر تطبيقا وخارج النوتة الغنائية النظرية التي ظلت تطربنا بها في الكتب وصالونات الكتب والمحاضرات.

 

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى