نساء النَّبِيّ موسى..!
أسامة العيسة

-شهادة روائي-
بدا المشهد روحانيًا، زاده رونقًا غروب شفقي. تصطف مجموعة من النساء وقوفًا أمام طاولة طويلة يرتدن الجلابيب وأغطية الرأس البيضاء، ويسكبن طناجر المقلوبة على وقع الآذان الشذي، الآتي من مئذنة مسجد مقام النَّبِيّ موسى، إليهن في رواق الطابق العلوي.
تختلس نساء المقلوبة النظر إلى طناجرهن للتأكد من سوية ما صنعته كل واحدة منهن، في اختبار نزول المقلوبة مضبوطة على السدور التي سيتقدم إليها الرجال الصائمون احتسابًا، بينما تبث فضائية الجزيرة المشهد الذي أخذ صبغة الصمود الوطني- الديني، وهو ما يوافق قطرية القناة (قطر الدين والعروبة والممانعة والتطبيع).
لم يتحوّل المقام الصحراوي إلى اختبار جديد لتأكيد محددات الوظائف الاجتماعية بين ذكور الجماعات وإناثهن، بل سبقه اختبار صاخب للسلطة والمعرفة في فلسطين المتشظية.
ربّما أوّل من أعلن إحباط حفلة لعبدة الشياطين في المقام، هم بدو المنطقة الصامدين في وجه الاقتلاع الاستعماري، الّذين يشكون من التهميش المستمر من قبل السلطات التي تتوالى على البلاد، وبالنسبة لهم فإنَّ اختراق عبدة الشياطين المقام، حدث في ظل تغييبهم المقصد عن لجان إدارة شؤونه. قبل فترة رفع البدو صرخة ضد ما وصفوه التلاعب في نتائج انتخابات الحزب الحاكم في إقليم القدس يستهدفهم، والآن يرفعون الصوت قويًا في وجهة سلطات استبعادهم من حقهم المكتسب في مقامهم.
لم يطل فخر البدو المخاتل بنصرهم على أصحاب الحفل الفاجر طويلاً، فلشباب القدس رواية أخرى، اعتمدت من وسائل الإعلام التهييجية، حول تجمعهم بعد منع أحدهم من الدخول للصلاة، فحرروا المقام من الداعرين الحشاشين السكارى، ولكن من يريد تأكيد سلطته، لن يكتف بالصراخ في وسائل الإعلام، والحديث عن جمع كلاسين، وإنما عليه أن يخرج الأثاث من المقام المدنس، ويحرقه، في فعل تطهري، وسط الهتافات الدينية، وهو على ثقة بأنّه سينجو بفعلته.
لم تتأخر السلطة الفلسطينية لتأكيد سلطتها أيضًا، فشكلت لجنة تحقيق، كشفت بعد أيّام عن نتائجها، دون محاسبة الجهة المانحة لتصريح الحفل. بالطبع لم يكن ذلك كافيًا فاعتقلت ملكة التكنو، وليس مثل اعتقال صبية، وملكة، وتكنو إثارة للخيال الشرق الجمعي.
ستظهر سلطة أخرى، تحاول الكرمجة، أصوات من شراذم اليسار المشرذم، تحدثت بلغة الحقوق، والديمقراطية، وهي مفضوحة، لفسادها، وديكتاتوريتها، وتبعيتها واحتقارها، مثل باقي السلطات، للنساء.
تحولات المقام السريعة، جعلت ملكات المقلوبة المبعدات عن الأقصى، ينزحن إلى موقع الثقل الإعلامي الديني والشعاراتي والوطني بطعامهن وهو جزء من الهوامش السلطوية (تتمظهر سلطته خصوصا في شهر رمضان في الأقصى مع الوكلاء المحليين، للممولين الدينين والسياسيين)، مع استمرار التجاذب السلطاتي، ومحاكمة ملكة التكنو، ولكن المقام الذي استقطب بانثيون السلطات الميكروسكوبية، لتختبر قوتها، كُشف في لحظة، وهمية هياكلها، مع ظهور سلطة الاحتلال العاتية التي تسيطر على الموقع، التي لم تختف أصلاً. يمكن لأعضاء البانثيون الحرق والصراخ والكذب وتقديم كبش فداء، ولكنّهم سيولون وجوههم مع ظهور أوّل مجموعة استيطانية استعمارية تزور المقام.
يبدو لي أن ملكة التكنو، وهو تتويج لقبي سلطوي معرفي لها قبلت به، أكثر وعيًا لذاتها حتّى وهي تُقدم كبش فداء، من ملكات المقلوبة.
منذ عام ١٩٩٣م أرقب علاقة المقام بنفس السلطات تقريبًا (تتداخل وتنضم إليها سلطات أخرى كالحضور التركي الأردوغاني وسماع شعارات تدعوه لضرب تل أبيب)، وبوشائجها تجاه النساء. ظهر ذلك في معالجات صحافية، وفي روايتي وردة أريحا، حول دنيوية ودينية المقام في النصف الأوَّل من القرن العشرين، وفي الرواية تحت النشر، سماء القدس السابعة، رصدت تحولات وشائج السلطة والنساء في المقام بعد عام ١٩٦٧م.
كحفيد لامرأة دفنت بجوار كليم الله، حظيت باسم مُنغم، تتعبت وشائجه مع حكايات كثيرة، مدونة ومتواترة، خصوصا تلك المتعلقة بنساء من برّ القدس.
في عام ١٩٠٥ يظهر اسم جدتي هَندة، في السجلات العثمانية، كشريكة جدي في بيتهما في قريتنا، ولكنها لم تهنأ كثيرًا، سيعود زوجها بعد سنوات ضريرا من السفر بربلك، عاجزًا، كما يسمى الضرير لدينا (تنويعات على علاقة العجز بالبصر والبصيرة)، ضحية صراعات سلطات أقوى في بلادنا وعلى بلدنا، غير مفهومة لهما، وستهجّر منكوبة، وتموت مقهورة وتدفن على غير رغبة منها بجوار مقام الكليم، مختبر السلطات والمعرفة والنساء كُبُوش فداء الشرق المتلفع بعاره، لا يغادره.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى