نفط وحشيش وكورونا
الياس خوري

كان ذلك في أوائل سبعينيات القرن الماضي، ذهبت إلى باريس من أجل استكمال دراستي الجامعية، وهناك جمعتني الصدف برجل لبناني من قرية بسوس، جعل الأشهر الأولى من إقامتي الباريسية تشبه الحكايات.
كانت تجربة الدراسة في معهد الدراسات المتقدمة في جامعة باريس ممتعة، الأساتذة كانوا يساريين من خريجي ثورة أيار- مايو 1968، والمناخ كان غيفارياً وأمريكياً لاتينياً، لكن متعة الحلقات الدراسية التي كانت تشبه الخلايا اليسارية التي تركتها خلفي في بيروت، لم تستطع أن تشكل بديلاً لحالة الفقر المدقع التي عشتها في المدينة.
لكن السيد شارل، لنقل أن اسمه كان شارل، ولكن هذا ليس اسمه الحقيقي، بدد وحشتي الباريسىة بولائمه السخية، إذ كنت في بيته آكل حتى الشبع، ولم أكن محتاجاً إلى حشو معدتي بالرز والخبز كما كان دأبنا في المطعم الجامعي.
قصة هذا الرجل تستحق أن تروى، فهو نموذج للبناني الحربوق الذي استطاع أن يصنع لنفسه اسماً مهنياً من خلال عمله في تعقيم برك السباحة في المنازل. روى لي حكاية «الجافيل» الذي كان يمزجه بمواد كيماوية أخرى ويستخدمه في تعقيم البرك. حيلة هذا اللبناني الغريب الأطوار انطلت على الجميع وصار الرجل اسماً لامعاً في ميدان اختصاصه، الذي بناه عن طريق مزيج من الذكاء الفطري وحسن التصرف.
قال لي إن المهم هو أن يقتنع الزبون، «أنا مثل الطبيب، نصف الطب هو القدرة على اكتساب ثقة المريض، والنصف الثاني هو تطبيق ما تعلمه في الجامعة».
قال إنه اكتفى بالنصف الأول، ومشي الحال.
كان السيد شارل يرثي لحالي ولهذا الاختصاص الغريب في التاريخ الاجتماعي الذي اخترته، واضعاً نفسي بين أيدي عصابة من الأساتذة اليساريين الذين لا يفقهون معنى الاقتصاد.
وكان لا يستسيغ كلامي عن الطبقات والصراع الطبقي في لبنان، وهو على ثقة بأن كل هذه النظريات «ستذوب كما يذوب الشمع من أمام وجه النار»، عندما ستنجح خطته.
قال لي إن قريته تعوم على حقول من النفط. «في اللحظة التي سأنجح فيها في اكتشاف النفط، لن يعود هناك طبقات. هل تستطيع أن تتكلم عن الطبقات في مشيخات الخليج أو في السعودية؟ طبعا لا، النفط يذيب الطبقات، فقط لو أستطيع أن أحفر أول بئر وسترون».
كان السيد شارل على قناعة بأن الأمريكيين لا يريدون لنا في لبنان أن نكتشف نفطنا.
وعندما سألته لماذا لا يعود إلى لبنان ويبدأ في الحفر، قال إنه ينتظر الظرف الملائم، «الآن لا أستطيع، سيقتلونني».
عدت إلى بيروت وأضعت السيد شارل، ولم أتذكره إلا منذ يومين، حين رأيت رئيس الجمهورية واقفاً في التلفزيون وخلفه عشرة أعلام لبنانية ليعلن أن يوم 27 شباط- فبراير هو يوم بداية تاريخ جديد للبنان، مع بدء الحفر في أعماق البحر بحثاً عن الغاز والنفط. بالطبع، لم ينس الرئيس أن ينسب هذا الإنجاز التاريخي لنفسه ولصهره جبران باسيل!
كنا نتوقع أن يتحدث الرئيس عن الأزمة المالية والاقتصادية، أو عن تشريع زراعة الحشيش أو عن مصيبة كورونا، والطائرات الآتية من قم وطهران التي أدخلت هذا الفيروس الرهيب إلى لبنان.
لكن الجنرال تجاهل كل شيء وركّز على الإنجاز النفطي الذي سيُفقد الانهيار الاقتصادي معناه، ويمحو الفوارق بين الطبقات، فبعد سنوات لا ندري كم ستطول، لن يعود هناك أزمة مالية، لأن النفط سينقلنا من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج!
لا أدري من هو المستشار الذي أوحى للرئيس بأن الاقتصاد النفطي ليس ريعياً، أغلب الظن أنه لا بد وأن يكون صديقاً لمستشار أمين عام حزب الله الذي نصحه بالبحث عن حل للانهيار الاقتصادي عبر تصدير البطاطا إلى العراق، أو عبر الاستنجاد بالصين!
هنا تذكرت المسيو شارل، وفكرت أن نظريته عن الطبقات التي بدت لي أشبه بنكتة، تحولت إلى حقيقة لبنانية.
حقائقنا اللبنانية من نظريات سعيد عقل العصابية عن «المجد اللبناني» إلى خطب الجنرال وتصريحات صهره «المكهربة»، ليست سوى نكات هدفها تحويل المآسي إلى كوميديا مبتذلة.
أخيراً وجد العهد هويته بعد ثلاث سنوات على «انتخاب» ميشال عون، أنه عهد النفط والحشيش واستعادة أموال الأمير فخر الدين.
بدل استعادة الأموال المنهوبة، تفتقت عبقرية التلفزيون البرتقالي التابع لتيار عون-باسيل عن مشروع لاستعادة أموال كان الأمير فخر الدين المعني الثاني قد وضعها في أحد بنوك توسكانا، في أوائل القرن السابع عشر.
قيل، والله أعلم، إن الأمير الذي حكم جبل لبنان وامتدت سلطته إلى نابلس وضع في توسكانة عام 1616 مبلغ 111 مليون دولار، صارت تساوي اليوم خمسة مليارات، يجب العمل على استعادتها من إيطاليا.
خِفة في كل شيء، وسماجة قاتلة. لم تكتف المافيا الحاكمة بنهب البلاد وتحويل المصارف إلى مقابر، بل تريدنا أن ننعم بنفط في البحر وبالتحشيش كي ننسى.
لكن الكورونا الآتية من الصين وإيران كسرت مناخ الكوميديا المفتعلة، فهذا الفيروس القاتل لا يمكن صدّه بالشعارات أو بتأتأة وزير الصحة، أو بإجراءات عشوائية لا تمتلك أي إحساس بالمسؤولية أمام هذا الخطر الداهم.
حكومة الاختصاصيين التابعة للتحالف الثلاثي الحاكم: التيار العوني- حزب الله- أمل، لا تبالي، وهي غارقة في التردد وعدم القدرة على بلورة خطة اقتصادية.
فالذي تغاضى وتواطأ على تحويل شعب كامل إلى شحاذين أمام المصارف، والذي لا هم له سوى حماية حيتان رأس المال البنكي، لا يستطيع أن يضع خطة ناجعة لمواجهة خطر الكورونا الزاحف عبر الحدود.
نحن أمام كارثتين كبريين: الانهيار الاقتصادي والكورونا. أما القضاء اللبناني فيتابع ملاحقة الناشطات والناشطين على صفحات التواصل الاجتماعي، كي يشبع نهم باسيل وحزبه لمعاقبة الشعب اللبناني وصولاً إلى تصريح نائبته مي خريش التي سخرت من أصحاب الاحتياجات الخاصة.
لكن الثلاثي الحاكم لا يعلم أن الفاشية والقمع والاستبداد لا تستطيع أن تحكم مجتمعاً على حافة الإفلاس، ويواجه الوباء عارياً من أي حماية!
الممانعة لن تمنع الكارثة، إلا إذا كان الحل هو الأرنب الأخير الذي سيخرجه الرئيس الأبدي لمجلس النواب من قبعته، واسمه تشريع زراعة الحشيشة من أجل الاستخدام الطبي!
أما من سيشرف على الحشيش الطبي في دولة مهترئة، فذلك هو السؤال.
نحشش فننسى الكورونا والفقر ونموت من دون ألم!
هذا هو اقتراحهم، لكن الانتفاضة الشعبية تمتلك اقتراحاً آخر، فهناك علاج واحد لنظام سياسي واقتصادي تحوّل إلى جثة، هو إعلان موته ودفنه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى