نكبة “أوسلو”
علي أنوزلا

عوّدتنا قيادة السلطة الفلسطينية أن تخرج كل مرة تهدّد بفكّ ارتباطها باتفاقات أوسلو، لكنها لا تفعل. لذلك لا يتوقع أن تنفذ هذه المرة تهديدها بإلغاء هذه الاتفاقات التي استفاد منها الإسرائيليون، وأضرّت كثيرا الفلسطينيين وقضيتهم. وهذا ما يفسّر عدم الاهتمام العالمي بتهديد الفلسطينيين بالانسحاب من هذه الاتفاقات، بعد إعلان الإدارة الأميركية عن خطتها المسمّاة “صفقة القرن”، لأن لا أحد يأخذ مثل هذه التهديدات على محمل الجد، بمن فيهم حتى الفلسطينيون أنفسهم.
تفسير هذه اللامبالاة وعدم الاكتراث بتهديدات القيادة الفلسطينية مردّه أن هذه الاتفاقات تكبل الفلسطينيين أكثر مما تعيق تحرّك الإسرائيليين، فالمتضرّرون منها هم أبناء الشعب الفلسطيني، لأنها أخذت منهم أكثر مما أعطتهم، وأفرغت قضيتهم من روحها عندما زجّتها في دهاليز المفاوضات السياسية ومكرها، وأفقدتها وهج الحركة الوطنية التحرّرية المناضلة، ونبل القضية الإنسانية المناهضة للظلم وكل أشكال التمييز والعنصرية المقيتة.
صممت اتفاقات أوسلو أصلا لتفرغ القضية الفلسطينية من جوهرها النضالي وعمقها الإنساني، وتحولها إلى صراع يومي من أجل رفع الحواجز عند نقاط التفتيش الإسرائيلية ومعابر المرور، أو من أجل استعادة الضرائب المستحقّة على استهلاك البضائع والسلع الإسرائيلية، أو فقط من أجل السماح للفلسطيني بأداء صلاته في باحة المسجد الأقصى!
اتفاقات أوسلو أخطر من نكبة 1948، وخطورتها ليست فقط في التنازلات التي انتزعتها من الفلسطينيين، وإنما في أنها قضت على الروح النضالية التي طالما جسّدتها سنوات القضية  الفلسطينية بوصفها حركة تحرّر وطنية ذات بعد عالمي وعمق إنساني. والنتيجة، بعد نحو ثلاثة عقود من توقيعها، هي هذا الكيان الفلسطيني الهشّ المنقسم على نفسه، والمتصارع في ما بينه، وسلطة فلسطينية تحوّلت إلى شركة مناولة للحفاظ على أمن المستوطنين، وتزكية توسع استيطانهم في الضفة الغربية. وخلال 27 سنة الماضية، نجح الإسرائيليون أن ينتزعوا من الفلسطينيين أكثر مما انتزعوه منهم طوال 45 سنة من الحروب والتشريد والشتات منذ نكبة 1948. انتزعوا منهم الاعتراف بدولتهم المحتلة، وبحركتهم الصهيونية التي كانت تصنّف، حتى توقيع تلك الاتفاقات، حركة عنصرية في أدبيات الأمم المتحدة. وعلى أرض الواقع، تضاعف عدد المستوطنات والمستوطنين أكثر من أربع مرات في ما كانت تسمّى أراضي 1967. وأعلنت إسرائيل مدينة القدس، التي تشكل جوهر الصراع، عاصمة لدولتها يتوالى الاعتراف بها دوليا مع مرور الوقت. وفي المقابل، تحوّل ما تبقى من 22% من الأراضي التي كان يُفترض أن تقام عليها الدولة الفلسطينية، إلى كانتونات معزولة ومقطّعة ومحاصرة، وتحوّل الشعب الفلسطيني المناضل إلى لاجئين، وهذه المرّة فوق أرضهم! وإلى فصائل متصارعة ومتناحرة في ما بينها. وبات الوضع الفلسطيني اليوم في أسوأ حالاته، يطبعه الضعف والهوان والتفرقة والصراعات الفارغة، فيما ضاعت من الشعب الفلسطيني الأرض والحقوق، وسلبت منه الحرية والكرامة.
القادة الفلسطينيون هم أكثر من أساؤوا إلى قضيتهم، وهم من يسيئون اليوم لها بانقسامهم وبقبولهم بشبه اتفاقاتٍ لم تعد تساوي حتى الورق الذي كتبت عليه، فهذه الاتفاقات تم توقيعها في لحظة ضعف وعزلة، كانت تعيشها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، نتيجة أخطاء زعيمها التاريخي ياسر عرفات إثر مساندته صدّام حسين عند غزو الكويت، ومن أجل كسر عزلته في تونس، والانتقام لإقصائه من مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، وخصوصا من المفاوضات الثنائية مع الإسرائيليين التي كان يقودها وفد من داخل الأراضي المحتلة. سلك الزعيم الفلسطيني الراحل طريق “أوسلو”، وقبل بتقديم كل التنازلات من أجل العودة إلى مسرح الأحداث، ولو على شبر من أرض فلسطين، كما كان يحب هو نفسه أن يقول. والنتيجة أن الحل الذي كان يعتبر مؤقتا طال زهاء ثلاثة عقود، وكلما مرّت السنون زاد الوضع تعقيدا وأصبح الحل مستحيلا.
وفي ظل الضعف والتشتت العربي الحالي، والانقسام الفلسطيني، وتواري وهج القضية الفلسطينية، فإن أقل ردٍّ على ما تسمى “صفقة القرن” هو إعلان الانسحاب النهائي من اتفاقات “أوسلو” وحل السلطة الفلسطينية، وإعلان كل ما تمخض عن تلك الاتفاقات من نتائج، وبني عليها من قرارات، بأنه “باطل”، أو “كادوك” باللغة الفرنسية على حد تعبير الراحل ياسر عرفات، وبلكنته المتميزة، عندما أعلن عام 1989 في باريس موت “ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية”، فهذه الاتفاقيات أصبحت لاغية، لأنها ولدت أصلا ميتة. أضف إلى ذلك أن المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية المفضية إلى تنفيذ بنودها متوقفة منذ عدة سنوات، وكل ما ترتب عنها هو مزيد من تشريع الاحتلال وتوسيعه وتقويته وقتل الفلسطينيين واعتقالهم وتشريدهم وإهانتهم.
المستفيد الوحيد من اتفاقات أوسلو هو إسرائيل، لأنها منحت الكيان الغاصب الوقت لفرض احتلاله  أمرا واقعا، وتوسيع مستوطناته، وتكريس الطابع اليهودي لدولته الدينية العنصرية، والقضاء نهائيا على حلم الدولة الفلسطينية، وعزل الفلسطينيين داخل غيتوهات تحرسها وتخترقها حواجز التفتيش الإسرائيلية. والقادة الفلسطينيون هم من حشروا أنفسهم في الزاوية، وباتت الخيارات اليوم أمامهم ضئيلة، إن لم تكن مستحيلة، لكنهم لن يخسروا الكثير في حال إعلانهم الانسحاب من اتفاقاتٍ كبّلتهم أكثر مما خدمت قضيتهم، فهم مثل عبيد كارل ماركس، لن يخسروا، في حال انتفاضهم ضد هذه الاتفاقيات، سوى القيود التي تكبلهم بها. وقد آن الأوان ليفعلوها ويعلنوا فكّ كل ارتباط بهذه الاتفاقيات، وإلغاء كل ما نتج عنها، بما في ذلك حل السلطة الفلسطينية، ويضعوا الكيان الإسرائيلي والعالم أمام الأمر الواقع، والنضال من داخل كل أراضي فلسطين التاريخية من أجل الدولة الواحدة، فهذه هي النهاية التي سينتهي إليها هذا الصراع التاريخي، ولو بعد عقود أخرى من الحروب والمفاوضات الفاشلة. إنه الخيار الأخير، خيار الدولة الواحدة بقومية ثنائية، لأنه هو القادر على هزيمة المشروع الصهيوني في عقر جحره، واستئصاله من جذوره. أما الاستمرار في مفاوضاتٍ فاشلة، فمعناه إعطاء شرعيةٍ لاستمرار تجذر المشروع السرطاني الصهيوني، فالخطر الحقيقي الذي يرهب الكيان الإسرائيلي، اليوم، ويهدّد مشروعه الاستيطاني الصهيوني، هو “الخطر الديمغرافي” الفلسطيني، لأنه يحمل بين طياته السلاح الفتاك نفسه الذي مكّن جنوب أفريقيا من القضاء على نظامها العنصري، وأعاد لأغلبيتها السوداء حرّيتهم وكرامتهم ودولتهم. على الفلسطينيين أن لا يهدّدوا فقط بإلغاء اتفاقات أوسلو ونتائجها الكارثية، وإنما أن يفكّروا في خيار الدولة الواحدة، لأن حربهم التاريخية هي مع المشروع الصهيوني، وهذا المشروع يحمل تناقضاته في داخله، وقد آن أوان التفكير جدّيا في كيفية نخره من الداخل، لأن كل عمليات ضربه من الخارج لم تزد سوى في تقويته وتوسعه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى