نهاية صفقة وبداية قضية
سعيد يقطين

ظل المغاربة، والعرب والمسلمون أجمعون، على صلة بفلسطين طيلة عدة قرون. كان الحاج المغربي المتفقه، في زمان غير زماننا، لا تكتمل مناسك حجه، أو عمرته بدون زيارة القدس، تماما كما كان الحاج من الأوساط الشعبية، ينهي أداء شعائره للأماكن المقدسة، بما فيها القدس، بالذهاب إلى بغداد لزيارة مولاي عبد القادر الجيلالي تأكيدا لعمق الروابط الروحية والوجدانية والثقافية بين مكونات الإنسان في الوطن العربي والإسلامي.

فلسطين تحتل في الوجدان العربي والإسلامي مكانة خاصة، ولا يمكن أن ينتزعها أحد. ولقد ظلت منذ بروز الكيان الصهيوني شوكة في حلق الإنسان العربي. ورغم كل ما تعرضت له منذ 1948، و1967 إلى الآن جرحا لا يندمل، وفي كل المؤامرات التي تحاك ضدها باطراد، كان الإحساس بالألم يتضاعف. وفي كل اللحظات التي كانت فيها الحركات الشعبية العربية قوية كان أي مس بالقضية الفلسطينية يؤثر بشكل كبير على واقع البلدان العربية، فيكون التعبير عن الغضب العربي مؤرقا للأنظمة. لكن التطورات المتلاحقة، وتزايد التناقضات والصراعات التي عرفها الجسم العربي الإسلامي منذ أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، أدى إلى تراجع القضية الفلسطينية عن مكانتها من القلوب والنفوس، وتدخلت في ذلك عوامل محلية فلسطينية وإقليمية وعالمية جعلتها تحتل موقعا هامشيا حتى جاء ترامب ليحقق لإسرائيل وهمها التاريخي، بطرحه القدس عاصمة أبدية، في مرحلة، وفي أخرى إعلانه ما صار يسمى “صفقة القرن”، فكان ذلك بداية جديدة لدخول فلسطين مسارا جديدا لا يمكن توقع ما سيؤول إليه.

إن تحريك القضية الفلسطينية بهذه الكيفية التي حولت ما يتعلق بمصيرها إلى حدث يتصل بـ”القرن”، لا يمكن إلا أن تكون له مضاعفات ليس لفائدة الصفقة، ولكن لصالح القضية، وذلك لسببين اثنين: لقد أبانت الصفقة أنها لا شرعية ولا قانونية، وتعبر بجلاء عن التسلط الأمريكي الإسرائيلي، ولا يمكن لذلك أن يستمر إلى ما لا نهاية. أما السبب الثاني فيتجلى في كون الصفقة لا يمكن إلا أن تجعل الفلسطينيين أمام خيار واحد ووحيد هو تجاهل كل تناقضاتهم الثانوية، وتوحيد تصورهم للتصدي لها برؤية جديدة تقطع مع كل الممارسات التي أضرت بالقضية في صيرورتها التاريخية.

إن الأحداث الكبرى تخلق منعطفات جديدة إذا تم التعامل معها بوعي جديد يقطع مع الرؤيات التقليدية. ولقد آن الأوان لجعل مسار القضية يسير في اتجاه غير الذي عرفته منذ أحداث الحادي عشر من أيلول على وجه الخصوص. لقد استغلت أمريكا قضية الإرهاب لإيهام الأنظمة العربية للسير على نهجها لاقتلاعه، وإنهائه لأنه يهددها هي أيضا. فانخرط الجميع في محاربته باعتباره القضية المركزية، وكان ذلك على حساب القضية الفلسطينية، ولم تستفد من ذلك غير إسرائيل. وما إن بدأ يقل الحديث عن الإرهاب، حتى جاء الربيع العربي.

كان الربيع العربي الذي طالب بإصلاحات بسيطة تتعلق بحياة كريمة، قبل أن يتحول إلى المطالبة بتغيير بعض الأنظمة التي لم تؤد إلا إلى الهزيمة، مناسبة للالتفاف على مطالب الشعب، وعمل على تغذية التقاطبات الجديدة التي باتت تتحكم في مصير الشرق الأوسط، وتدخله إلى مرحلة جديدة من الصراع لم تشهدها المنطقة في القرن الماضي. وما تعرفه العراق وسوريا بالخصوص من تدخل سافر من أمريكا وروسيا وإيران وتركيا سوى تأكيد لهذا الاصطفاف، هذا إلى جانب ما تعرفه ليبيا واليمن.

لم تتحقق في هذه الصيرورة مطالب الشعب العربي، وتعرضت البلاد للدمار، والجسم العربي للمزيد من الانقسام والصراعات الداخلية. فكان التراجع عن تحقيق أي مطلب يهم الأمة العربية منذ دخولها العصر الحديث عن طريق الاستعمار. إنه الطريق المسدود. كانت للعرب قضية مركزية واحدة هي فلسطين حتى الستينيات، فإذا القضايا تتعدد، وتتهمش فلسطين لتغرق الأمة العربية ـ الإسلامية في أتون قضايا أخرى تتعداها إلى العراق وسوريا وليبيا واليمن، إلى جانب قضايا الدول العربية الأخرى. ولم يكن المستفيد الوحيد من ذلك سوى أمريكا وإسرائيل، وتكالبت روسيا وإيران وتركيا، وكل منها يبحث له عن موقع في ظل الشلل الذي عرفته القضية العربية وقد تشظت إلى قضايا لا حصر لها.

إن الصراع في الشرق الأوسط لا يمكنه إلا أن يتواصل بسبب تداخل عاملين أساسيين: اقتصادي ـ مالي، قوامه النفط، وثقافي ـ ديني، أساسه الصراع التاريخي بين الشرق الإسلامي، والغرب اليهودي ـ المسيحي. ولقد استمر هذا التقاطب منذ الفترة الاستعمارية إلى الثمانينيات من القرن الماضي. لكنه سرعان ما بدأ يتعقد ويتشابك بتدخل عناصر قومية جديدة تسعى لأن لها يكون موقع في هذا الصراع (الفرس والترك). وخلقت إلى جانب ذلك صراعات جديدة بين المسلمين، والصهيونية، من جهة، وأمريكا الفاعل التقليدي الذي بات يوازيه الطموح الروسي لاحتلال موقع في المنطقة، من جهة أخرى.

غياب العرب كرؤية وممارسة للصراع في المنطقة لم يكن يعبر إلا عن الضعف والعجز. وكان لتبعية القضية الفلسطينية نفسها منذ الستينيات لأحد القطبين العربيين، وهما يتخندقان في صف الاتحاد السوفياتي أو أمريكا، دوره في المساهمة في جعل التناقض الثانوي بين الفلسطينيين تناقضا رئيسيا، فكان الانقسام بين الفلسطيني عاملا من عوامل الضعف الذي سيتكرس بتقسيم جناحي الطائر الفلسطيني إلى ضفة وغزة. استغلت إسرائيل هذا التقسيم وجعلته أساس التعامل مع الضفة لإقصاء غزة. بل إنها كانت تعتبر إمكانات التفاوض مشروطة بعزل غزة، بل ومحاربتها. ولم يكن لذلك من نتائج غير تعريض غزة للقصف العشوائي، وبناء المزيد من المستوطنات في الضفة.

إن صفقة القرن تعيد إلى الأذهان التي غيبتها التحولات المتلاحقة أن إسرائيل دولة محتلة، وأنها وليدة الاستعمار التقليدي، وأي سلام فعلي في المنطقة لا يضع في الاعتبار الحق الفلسطيني لا يمكنه إلا أن يديم الصراع في المنطقة. فهل من مصلحة أمريكا وإسرائيل والدول العربية، بل والعالم أجمع أن يستمر هذا الصراع؟ ومن يمكنه أن يستفيد منه؟

لقد استغلت قضية الإرهاب، بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، لإعطاء أمريكا موقعا عالميا تفرض فيه سلطتها على الجميع، ولإسرائيل فرصة تحقيق المزيد من المصالح على الأرض، واستغل الربيع العربي لضرب أي تحول ممكن في الوطن العربي لفائدة الأنظمة العربية. فإلى متى يمكن أن يستمر هذا الوضع عالميا وفلسطينيا وعربيا؟

لا يمكن لأسطورة القوة الأمريكية أن تتواصل إلى ما لا نهاية. وبما أن تسلط إسرائيل مستمد من القوة الأمريكية، فهو مهدد بالزوال بزوال القوة التي تقف وراءه. لقد كان اللاعب المركزي في صيرورة الصراع في الشرق الأوسط أبدا هو الغرب، وهو الآن يعرف تراجعا كبيرا، ثم صارت أمريكا التي تتنازعها اليوم قوى أخرى، ولا يمكن لقوتها إلا أن تتراجع عاجلا أو آجلا. أما العرب الذين يعولون على أمريكا أو على إسرائيل ليقيموا معها علاقات من أي نوع، فلن يجنوا أبدا من ذلك سوى المزيد من الاستغلال والتبعية والإذلال، وتاريخ العلاقات العربية مع أمريكا لا يحتاج إلى بيان.

صفقة القرن تعيد القضية الفلسطينية إلى موقعها الحقيقي، وتبين أن القدس تختزل قضية وجود أمة ووجدانها ولا يمكنها إلا أن تعرف مسارا جديدا، والتاريخ شاهد على ذلك، والمستقبل يحبل بما لا يتوقعه الغاصبون.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى