نيويورك .. مصدر الوباء في فلسطين
حافظ البرغوثي

لا يبدو أن جائحة «كورونا» المستجد في طريقها للتراجع في الأراضي الفلسطينية؛ لأنها مرتبطة عضوياً بانتشار الفيروس في «إسرائيل» التي باتت المصدر الرئيسي للفيروس؛ بعد أن حاصرت السلطة الفسطينية بؤرة التفشي الأولى في بيت لحم التي تشكلت؛ بسبب وفدين سياحيين. وقد أزعجت التصريحات الرسمية الفلسطينية وغير الرسمية، «الإسرائيليين»؛ حيث إنها تتهم الاحتلال بنشر الفيروس، والإهمال في رقابة العمال من قبل الأجهزة «الإسرائيلية» التي باتت ترصد التصريحات الفلسطينية، وتهدد السلطة بمنع أجهزتها الأمنية من الحركة بين القرى والمدن في إطار خطة فلسطينية؛ للحد من انتشار الفيروس. وكانت السلطة الفلسطينية نشرت أفراد الأمن الفلسطيني مع لجان شعبية تشكلت في كل المواقع منذ بداية انتشار الفيروس؛ لتحصين القرى والمدن من الاختلاط، ومحاصرة المناطق الموبوءة، وقطع المواصلات بين المحافظات والالتزام بمنع التجول، وأقامت نقاط تفتيش وتعقيم على مداخل المدن والقرى في خطوة حدت من انتشار الفيروس. وقد ظلت عودة العمال من المصانع «الإسرائيلية» المصدر الأول لنشر الفيروس؛ حيث رفضت سلطات الاحتلال إخضاع العمال للفحص قبل السماح لهم بالعودة إلى الضفة، كما رفض الاحتلال التنسيق مع السلطة؛ لترتيب عودتهم بشكل منظم، لمنع انتقال العدوى. وقد تزايد عدد الإصابات بشكل غريب مع عودة بعض العمال خلسة، وعدم إخضاعهم للحجر الصحي، وارتفع عدد الحالات من أربعين إلى أكثر من 300 خلال فترة قصيرة، بما فيها القدس الشرقية، كما أن الاحتلال لم يعد يدقق على الحواجز؛ لأنه بحاجة للعمال؛ من أجل تشغيل بعض القطاعات في البناء والمخابز والمزارع ومسالخ الدجاج؛ حيث كانت الأخيرة أكبر مصدر للعدوى؛ لأنه يشرف عليها رجال دين يهود تبين أن مناطقهم الأكثر ارتفاعاً في تفشي الفيروس. وقد نقل العمال الفيروس إلى ذويهم وقراهم، ما أدى إلى تزايد أعداد الإصابات في الضفة، وقد تبين أن سلطات الاحتلال أهملت الأحياء العربية في القدس؛ حيث تفشى الفيروس في بلدة سلوان، ومنعت سلطات الاحتال مراكز طبية أقامتها السلطة الفلسطينية من مباشرة عملها، كما اعتقلت النشطاء الذين كانوا يقومون بتعقيم البلدة القديمة وسلوان ومناطق أخرى من المدينة. وقد اعتبرت الأحياء اليهودية قي القدس المحتلة أكبر بؤرة للفيروس، تليها بلدة بني برلك اليهودية للمتدينين قرب «تل أبيب». ومن الملاحظ أن وزارة الصحة «الإسرائيلية» احتجت منذ أسابيع على عدم إخضاع المتدينين القادمين من نيويورك للحجر الصحي؛ لكن بنيامين نتنياهو الذي يخوض معركة تشكيل حكومة تساهل مع المتدينين وأحزابهم؛ لأنهم يشكلون كتلة واحدة، وتغاضى عن دخولهم من دون فحوص حتى لا يؤثر ذلك في علاقاته مع الرئيس ترامب على الرغم من أنهم قدموا من أكبر بؤرة تفشي في العالم، وهي نيويورك التي يقطنها من اليهود ما يقارب عدد سكان الكيان «الإسرائيلي»؛ بل إنه عين وزيراً للصحة من المتدينين لا علاقة له بالطب وهو من أرجع سبب تفشي الفيروس لغضب إلهي؛ بسبب مسيرات الشاذين جنسياً؛ لكنه أصيب هو الآخر بالفيروس، ويخضع للحجر الصحي. وأظهر تقرير لوزارة الصحة «الإسرائيلية» حول انتشار الوباء أن40% من مرضى فيروس «كورونا» المستجد الذين أصيبوا بالعدوى في الخارج جاؤوا من الولايات المتحدة، واضطر نتنياهو في نهاية الأمر إلى إخضاع القادمين من نيويورك للحجر الصحي. السلطة الفلسطينية سبقت الاحتلال في فرض منع التجول، وتعطيل الحياة الدراسية والعملية؛ لأنها لا تملك معدات ومستشفيات مؤهلة لاستقبال أعداد كبيرة من المرضى، وحتى الآن لم يوضع أي مريض تحت أجهزة التنفس الصناعي؛ حيث تملك مستشفيات الضفة قرابة 140 جهازاً من قبل، ويتعافى المصابون من دون إخضاعهم للتنفس الصناعي، وحصلت السلطة على معدات تبرعت بها الصين وعلى عقار كلوروكين الخاص بعلاج الملاريا من الأردن، وحصلت على تبرعات من دول خليجية؛ لمواجهة «كورونا»، وسيّرت قوافل طبية إلى غزة؛ لكن الأزمة المالية التي تعانيها السلطة تبدو شديدة مع مرور الوقت؛ حيث جفت مصادر الدخل الضريبي مع توقف الحياة التجارية والاقتصادية، وطلبت السلطة السحب من رصيدها المحتجز لدى الاحتلال من أموال كان صادرها من مستحقات الضريبة كعقاب لها على دفع مخصصات أسر الشهداء والأسرى، وتمكنت الحكومة الفلسطينية من إقناع الاتحاد الأوروبي بتسريع وزيادة الدعم المالي الفوري؛ لكن الأزمة ستتفاقم بعد شهر رمضان، فبينما يخطط الاحتلال لإعادة فتح الحياة الاقتصادية قي بعض القطاعات فإن السلطة ما تزال تخشى من انتشار الوباء مع عودة عشرات الآلاف من العمال إلى المرافق «الإسرائيلية»؛ بحيث يظلون خارج السيطرة الصحية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى