هذه أسباب السباق العربي نحو إسرائيل
محمد عايش

السياسي –

يتساءل كثيرون عن أسباب السباق العربي نحو التطبيع مع إسرائيل، وإقامة علاقات رسمية وعلنية معها، ويُجادل كثيرون بشأن الفوائد التي يمكن أن تجنيها هذه الدول، من اتفاقات سلام مع تل أبيب.

وهي– أي الدول العربية– لم تحارب إسرائيل أصلاً في تاريخها، بل إنها تقيم علاقات سرية، وأحياناً علنية مع الإسرائيليين وتستقبل وفودهم الرياضية، ولا تُعرقل أي مصالح إسرائيلية تمرّ عبر عواصمهم.

واقع الحال أن الدول العربية، التي تتسابق اليوم نحو إسرائيل لإقامة علاقات تطبيعية ورسمية ودبلوماسية، لن تستفيد شيئاً من هذا التطبيع، وكل ما يُقال عن استثمارات أو مصالح مشتركة، ليس سوى محض كذب.

ولا يُمكن أن نُصدق أن دولة عربية تُقاطع قطر، وتتصالح مع إسرائيل يُمكن أن تستفيد من تل أبيب شيئاً، وهي التي استغنت عن أي فائدة يمكن تحصيلها من العلاقات مع دولة جارة، هي واحدة من أغنى دول العالم.

ليس صحيحاً أن التطبيع مع إسرائيل، يُدرُّ استثمارات، ولا مصالح اقتصادية ولا سياسية ولا غيرها، ولو كان كذلك لاستفادت الدول التي سبقت إلى التطبيع، ولوجدنا مصر والأردن في حال أفضل مما هم عليه الآن، بل إن الأرقام والحقائق تؤكد على أن الوضع الاقتصادي والاستثماري يتدهور في الدول التي تقيم علاقات مع إسرائيل.

وقبل سنوات قليلة فقط انتهت دراسة غربية إلى أن السلام مع إسرائيل، كان أكثر كلفة اقتصادياً من الحرب معها، لأن العرب ببساطة لم يكونوا يُحاربون إسرائيل، ولم تكن مقاطعة الاحتلال تُكلفهم شيئاً.

السبب الحقيقي وراء السباق العربي نحو التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي يتعلق بالأنظمة السياسية التي تحكم، وليس بالمصالح العليا للبلاد!

والصحيح أن الدول التي تخضع لحكم مستبد، لا يحظى بالرضا الشعبي والقبول الجماهيري، هي التي تضطر للبحث عن شرعية لها من الخارج، أي أن الارتماء في الحضن الإسرائيلي يُفيد الحاكم وحده، بأن يحصل على حماية ودعم من تل أبيب، لكنه لا يُفيد بالمطلق بلاده، ولا يمكن أن تستفيد الدول المطبعة من تطبيعها.

في المسألة كثيرٌ من التفصيل؛ ففي بداية العقد الماضي اندلعت ثورات الربيع العربي، التي بدأت باقتلاع الأنظمة المستبدة من المنطقة، وشكّلت أكبر تهديد يواجهه الحكام المستبدون في تاريخهم، وهؤلاء بدؤوا بالبحث عن «قوارب نجاة» في الخارج.

وجاء وصول ترامب إلى البيت الأبيض أواخر سنة 2016 بمثابة المنقذ والمُخلّص لهم، وحصلوا منه على الحماية المباشرة والعلنية، وهي الحماية التي قال هو– أي ترامب–علناً، وفي أكثر من مناسبة أنها لم تعد مجانية، وأن ثمنها يجب أن يُدفع.

ما حدث بعد ذلك أن الإدارة الأمريكية عبر جاريد كوشنر، بدأت في الضغط على هذه الدول من أجل إقامة علاقات رسمية وعلنية ودبلوماسية مع تل أبيب، والهدف من ذلك دمج إسرائيل في المنطقة، وتمكينها من الفرص المتاحة وفتح الأبواب أمام الإسرائيليين، بما يُحسن من أحوالهم المعيشية.

خاصة مع الأزمة الاقتصادية، التي بدأت تعصف بالعالم، ومعه إسرائيل، من جراء وباء كورونا، وهو ما يعني أن الاسرائيليين يريدون دعامات اقتصادية إضافية.

في المقابل أصبح ترامب في الشهور الأخيرة أضعف من أي وقت مضى، فأزمة كورونا، وأزمة جورج فلويد دفعت شعبيته إلى الحضيض، وزادت الاحتمالات بأن يغادر البيت الأبيض أواخر عام 2020.

وهنا فإن الأنظمة التي تحظى بالحماية منه تخشى من خسارته، وتخاف من يوم رحيله، ولذلك فإن البديل هو التحالف مع إسرائيل، والحصول على حمايتها ومعها اللوبي الصهيوني في واشنطن.

كلمة السر في كل ما يجري في منطقتنا العربية هي «الديمقراطية وحقوق الإنسان» فالدول التي يستمد حكامها شرعيتهم من شعوبهم، لا تكترث بإسرائيل ولو أقامت معها علاقات رسمية، كما هو الحال مع تركيا.

حيث العلاقات مع تل أبيب في أسوأ أحوالها منذ حادث أسطول الحرية سنة 2010، والسبب أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يحصل على شرعيته من شعبه الذي انتخبه، وعليه فهو لا يكترث بإسرائيل، ولا ينتظر الرضا من تل أبيب، ولا الحماية من واشنطن..

أما الحكام العرب فمن كان منهم متمترساً على كرسيه بحماية أمريكية، ورضا إسرائيلي، لن يجد أمامه سوى الارتماء أكثر في أحضان تل أبيب، وإقامة علاقات مباشرة وعلنية مع الإسرائيليين من أجل إرضائهم وبالتالي الإبقاء عليه حاكماً.. هذه هي الخلاصة وكل ما عدا ذلك فهو مجرد هُراء.

* محمد عايش كاتب صحفي فلسطيني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى