هذه دوافع ترامب الحقيقية لاغتيال سليماني

السياسي – موقع “ميدل إيست آي” مقالا للأكاديميين نادر انتصار وكافيه أفراسيابي، يقولان فيه إن اغتيال أمريكا لكبير القادة العسكريين في إيران، قاسم سليماني، وعدد من قيادات المليشيات العراقية يوم الجمعة، يمثل تصعيدا مهما يرقى إلى عمل حربي، وستكون له تداعيات بعيدة الأمد.

ويقول الكاتبان في مقالهما إن “غضب إيران البركاني سينفجر حتما على شكل فعل انتقامي، كما يشير البيان الصادر عن الزعيم الروحي لإيران، وسيستهدف حتما القوات الأمريكية في العراق”.

ويشير الباحثان إلى أنه “من وجهة نظر طهران فإن هذا تصرف أمريكي مارق، وفعل حربي صارخ مع غطرسة كاملة للقوة العظمى، التي في حالة تراجع، والمستعدة لتجاوز أي خط أحمر، وتجاوز أي قانون لتحقيق أهدافها في بسط هيمنتها”.

ويرى الكاتبان أن “توقيت العملية مهم أيضا، فبالنسبة لإدارة ترامب انتهى عام 2019 بحس من المرارة، وبأزمة سياسية داخلية بسبب سعي مجلس النواب لمحاكمة الرئيس، ووضع متفجر وخطير في العراق يمكن بسهولة أن يحول عام 2020 إلى عام حرب أمريكية في الشرق الأوسط”.

ويبين الباحثان أنه “مع بذور الحرب التي تم غرسها بسبب رهاب إيران اللامحدود، الذي ينعكس في الحرب الأمريكية تحت عنوان (استراتيجية أقصى ضغط)، أصبح تجسدها الثابت والبطيء في الساحة العراقية للصراع، واقعا لا يمكن الهروب منه”.

ويلفت الكاتبان إلى أنه “في الوقت الذي تنخرط فيه واشنطن وطهران في سباق على النفوذ التام في العراق، فإنهما أصبحتا على مسار تصادمي، وما لم تسود الدبلوماسية الحكيمة، وهو احتمال ضئيل في ظل اغتيال سليماني، فإن الوضع الحالي قد يثير بعدا عسكريا لاستراتيجية ترامب المعادية لإيران”.

ويقول الباحثان إنه “قد يكون من المفيد وضع الأمور في سياقها، فتزامنا مع التدريبات البحرية المشتركة بين القوات الإيرانية والروسية والصينية في خليج عمان، لإظهار معارضة كل من بكين وموسكو لسياسة ترامب المعادية لإيران، وصفت القوات الأمريكية غاراتها الجوية على المليشيات المدعومة من إيران، في كل من العراق وسوريا، بأنها (دقيقة ودفاعية) ردا على التهديد المتنامي للقوى الموالية لإيران في المنطقة”.

ويجد الكاتبان أنه “مع ذلك فإن من الواضح جدا أن تلك الهجمات لها دلالات جيوسياسية، في ضوء تواصل وزير الخارجية، مايك بومبيو، مع زعماء كل من إسرائيل والإمارات والسعودية مباشرة بعد شن الهجمات، التي شجبتها كل من العراق وسوريا بصفتها انتهاكا لسيادتهما”.

ويرى الباحثان أنه “في ظل ذوبان الجليد الذي طرأ على العلاقات بين إيران والسعودية والإمارات، فإن نية بومبيو هي إضعاف ذلك الاحتمال الذي لا يتماشى مع مصالح أمريكا في الهيمنة الكاملة على المنطقة، واعتماد الدول العربية في الخليج على أمريكا يعني أن تبقى مرهونة لتنافس دائم مع إيران، التي تدفع بورقة السلام الخاصة بها في المنطقة، وفي الوقت ذاته تصعد الرهان ضد الهيمنة الأمريكية”.

ويستدرك الكاتبان بأن “من الخطأ أن تختزل نوايا ترامب من وراء الغارات الجوية مؤخرا -والأهم اغتيال سليماني الذي ينطوي على إساءة تقدير- بكونها ظروفا خارجية في العراق أو المنطقة، وغض الطرف عن أن ترامب يلجأ إلى أسلوب قديم معروف يقوم على إثارة أزمة خارجية لحرف الأنظار عن المشكلات المحلية التي تواجه رئاسته، وهذا يذكرنا بكيفية قيام بيل كلينتون عام 1998 بالأمر بغارة جوية على العراق عشية التصويت على محاكمته”.

ويقول الباحثان: “كذلك، سعيا منه في حرف الأنظار عن مساءلة الكونغرس له، التي اكتسبت زخما بنشر أدلة أكثر تشير إلى (مقايضة) مع أوكرانيا، فإن ترامب وفريق سياسته الخارجي يحسبون المكاسب السياسية من (وقوفه في وجه) إيران، بما في ذلك هجوم العراقيين على السفارة الأمريكية المحصنة في بغداد”.

وينوه الكاتبان إلى أن “وسائل الإعلام الأمريكية الرئيسية بأكملها تصطف وراء ترامب، مسجلة له استخدامه الحكيم للقوة ومربتة على كتفيه لتخليه عن التردد السابق في استخدام القوة، لكن تلك الدعاية الإعلامية للسياسات الأمريكية المحرضة على الحرب -التي تخرق القانون الدولي بشكل مباشر- لا تنطلي على شعوب المنطقة، كما اعترفت صحيفة (نيويورك تايمز) بأن العراقيين من كامل الطيف السياسي متحدون في شجبهم للهجمات الأمريكية التي تسببت بقتل وجرح عشرات العراقيين”.

ويفيد الباحثان بأنه “نتيجة لذلك فإن الطاولة انقلبت على أمريكا، ومهما غرد ترامب مطالبا الشعب العراقي بتوجيه غضبه ضد إيران فإن السهم قد خرج من القوس، ولا يتوقع أن يتراجع مستوى العداوة لأمريكا الذي شهدناه اليوم في العراق في أي وقت قريب، وقام التيار الصدري بالدعوة إلى توحد الفصائل الشيعية لطرد أمريكا من الأراضي العراقية”.

ويجد الكاتبان أنه “مع التصعيد في المواقف بعد مقتل سليماني ونائب رئيس فصائل الحشد الشعبي، فإنه يمكن الرهان على أن أمريكا لم تحسب التداعيات لعملها العسكري، الذي استدعى التوعد بالانتقام والثأر من فصائل الحشد الشعبي، وفي الغالب أن المليشيات الموالية لإيران ستتوقف عن الانخراط في القوات المسلحة العراقية، أو تتراجع تماما عن العملية، إن شعرت أن رد بغداد على اعتداء أمريكا على سيادة العراق غير كاف”.

ويؤكد الباحثان أن “الضربة الجديدة للعلاقات بين واشنطن وبغداد، التي تسببت بها آخر التطورات، تتناقض مع مصالح الأمن القومي الأمريكي، حتى وإن كانت قد تخدم مصالح ترامب الشخصية بخصوص المحاكمة، وفي الواقع فإن ذلك يعكس تفرعا للمصالح، حيث ينتهي الأمر بترامب بالتسبب بأضرار كبيرة للمصالح الأمريكية في الخارج، من خلال خلق أزمة لإنقاذ رئاسته، فلف نفسه في العلم معتمدا على بئر عميق من الشوفينية الأمريكية لإيقاف النزيف الذي يواجه رئاسته”.

ويقول الكاتبان إن “من الصعب المبالغة في الخطأ الأمريكي في ارتكاب هذا العمل الإرهابي الذي تدعمه الدولة، الذي ستنتج عنه دورة من العنف سيذهب ضحيتها الكثير، ومع ذلك فإن من مصلحة أمريكا منع تعمق أزمة العراق التي ولدتها بإرادتها، وإن كانت تفتقر إلى السيطرة التامة لاحتوائها”.

ويعتقد الباحثان أن “هذه الأزمة، التي هي في الواقع امتداد للأزمة الأمريكية الإيرانية لكنها تمت في العراق، يمكنها ان تتطور إلى ما هو أسوأ (حروب الظل)، واستخدام الوكلاء، بالإضافة إلى تقلبات لا يمكن التنبؤ بها، وتشكل تهديدا واضحا للآلاف من أفراد الجيش الأمريكيين في المنطقة، ناهيك عن الاقتصاد العالمي، الذي يعتمد على المرور الحر للنفط من مضيق هرمز”.

ويرى الكاتبان أنه “بلعبه في النار لدعم رئاسته المترنحة، التي قوضتها مخاوف محاكمة الكونغرس له، فإن ترامب يظهر الآن أعراض الرئيس المستخف بالحرب المستعد لإحداث حرب مدمرة أخرى في الشرق الأوسط، فيكون قد خان وعده بعدم توريط أمريكا في صراع آخر”.

ويختم الباحثان مقالهما بالقول: للأسف، فإن سياسات ترامب الخاطئة تجاه إيران والعراق تظهر بوضوح أنه ليس فقط يعيد استخدام حيلة في وجه المحاكمة قام بها سلف له، لكنه أيضا على وشك إعادة إنتاج أخطاء حروب بوش في الشرق الأوسط”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق