هكذا حِيلَ دون ميلاد فكر سياسي تعددي بالجزائر

في تسجيل صوتي نشره على صفحته بالفيسبوك، هاجم الناشط السياسي مزيان أوراد، الزعيم السابق لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية سعيد سعدي، متهما إياه بكونه ظل لسنوات عين الاستخبارات على الحزب والحركة الثقافية البربرية عموما، وهو ما قد يفسر الانكسارات التي لاحقت هاته الحركة طيلة فترات ما بعد الانفتاح السياسي، إذ لم تقوى على التعبير عن نفسها بالشكل الذي كانت تأمله في فترة السرية، بل أنها في السرية كانت أكثر نجاح ونجاعة وتنظيما من ذي بعد، وخاصة أكثر تضحية لبلوغ الأهداف السامية التي كانت قد رسمتها لنفسها وهي إحقاق حق المنطقة الثقافي بالاعتراف بخصوصيته كمكون طبيعي في النسيج الثقافي العام للبلاد.

الهجوم  على سعيد سعدي واتهمامه بالعمالة للاستخبارات من قبل مزيان أوريد، ليسه الأول ولن يكون الأخير بطبيعة الحال، فالذراع الثاني لـا”الأرسيدي! الناشط السياسي والحقوقي أمقران آيت العربي كان قد لمح إلى هذا الأمر في حوار شهير له مع قناة نسمة يوم اكتشف أموالا من غير اشتراكات المناضلين قد دخلت حسابات الحزب ولمَ أن سأل عنها الأمين المكلف بالمال، لم يفده هذا الأخير بإجابة قط حول مصدر تلكم الأموال ما جعله يستيقن بأن اليد البوليسية قد طالت هرم الحزب فقدم استقالته وانسحب من الحزب.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

لكن ليست هاته الواقعة ما يثير النقاش بشأن سعيد سعدي، الذي قال عنه مزيان أوراد أنه أضحى مليارديرا من جملة مليارديرات الذين أنجبتهم السياسة في الجزائر، رغم الحرب الأهلية التي عاشتها والتدمير الاقتصادي الممنهج الذي مارسته ولا تزال الدولة العميقة المتحكمة بالقرار السيادي لهذا البلد، بل ما يهم من خلال سعدي وغيره معرفة كيف تم إفساد الفكر السياسي التعددي في الجزائر؟ ومن ثمة إفساد السياسة، عبر قتل قضاياها الكبرى سواء المتعلق منها بالتاريخ، بالهوية، بالشرعية، ما صعب فيما بعد على النخب كما على الشعب فهم ماهية السياسة وماهية التعددية وما طبيعة النظام السياسي الحاكم في الجزائر، بما كان سيفضي في الأخير إلى تحقيق التغيير المأمول.

فتماما مثلما حدث مع الاسلاميين المغالبين (الفيس) أو المشساركين (حمس) الذين اتضح أن  بعضا ممن حضروا أعراس تأسيسهم، أو كانوا شهودا عليه، فيما بين سنتي 1989 و1990، كانوا بمثابة أعين الاستخبارات أو يدها الباطشة داخل الحزب وصناعة للقرار فيه حتى، وهو ما خلق شرخا في التصور العام لهذا التيار للسياسة كما تقتضيه المرحلة الجديدة وقتها، فثارت الخلافات الحادة في الفقه والفكر والتاريخ، بتحريم والتجريم والتخوين، ليس بين التوجهين (المغالب) و(المشارك) فحسب بل داخل الحزب الواحد ذاته، إذ تعمقت الخلافات النصوصية تأويلا وتفسيرا، وتهاجمت الأطراف حول رؤى فاقت التصوص لتتصل أساسا بالواقع، ليتبين في الأخير أن جهات كانت تدفع إلى ذلك من داخل هذا التيار، فالأمر نفسه كان واقع داخل تيار القضية الأمازيغية، حيث الآلية الاستخبارتية وصلت حد القمة في هرم حزب الأرسيدي الذي عقد مؤتمره التأتسيس في يوم وصول الوعيم حسين آيت أحمد لميناء الجزائر عائدا من منفاه الطويل بسويسرا، ثمة من يؤكد أنه بكليته كان صناعة استخباراتية لتحجيم جبهة القوى الاشتراكية الذي كان اسم آيت أحمد بثقله التاريخي ووزنه في الأممية الاشتراكية، يشكل خطرا على نظام فقد كل مصداقية تاريخية وتساقطت عنه سترة الوطنية.

كل ما سبق يجعلنا نستنج من خلال نموذج سعيد سعدي، بأن مخطط تدمير التعددية السياسية التي جاءت عقب الانفتاح كثمرة مرة لأحداث أكتوبر الشهيرة، إنما كان مخطط ومُعد له بشكل مسبق وتام وكامل، ليس فقط على الصعيد العملي الاجرائي بل فكريا أيضا، وهذا عبر ما سيعرف فيما بعد من عناوين كانت تُصنع في الغرف المظلمة ويُحى بها فيما بعد إلى قاعات التحرير الملغمة وقتئذ، مثلما أورده مزيان أوراد عن جريدة ليبرتي التي ساهم في توظيف غالبية طاقمها التحريري سعيد سعدي!

فالانقاذ الجمهوري، والاستئصال و القوى الظلامية وغيرها من المفردات التي طغت على خطاب السياسي لما بعد الأحادية، مغذية روح المواجهة الايديولوجية، بدل التنافس السياسي من خلال البرامج، والمشاريع الكبرى، دافعة بها إلى العنف، كان الهدف منها إفساد الفكر السياسي الوطني الذي تأمل الجميع في أن يتطور ويدفن نهائيا دوغمائية الأحادية والواحدية التي فرضها نظام مُعلب.

الغريب هنا هو أن البولسة السياسية التي مضت عليه دولة التعددية المؤودة، لم تدرك بأنها، أنها إذ تشتغل بمثل سعيد سعدي على تخريب العقل السياسي الجديد الذي ولد مع دستور 1989، إنما هي بذلك تخرب مسار طبيعي لسير وطن برمته، كما لو أنها كانت لا تعي جيدا بأنه مهما نجحت خططها التخريبية تلك في إبطال مشروع انبثاق فكر سياسي تعددي، فإن ذلك لن يعيد البلاد إلى قبضتها كما كان الشأن في عصرها الأحادي المظلم ولا بأي شكل، من هنا تفتاقمت مشاكل السياسة (نتيجة الترخيب) بشكل مستمر.

هكذا استنتاج يجعلنا نفهم بصفة أكثر وضوح بأن ظاهرة الحراك الثوري هي استجابة طوعية للفراغ الكبير في الفكر السياسي التعددي الذي وُئِد واغتصب في مولده، بيد  زعامات من ورق وكارطون بوليسي كانت تحرك من خلف الأستار، فغياب العقل في العمل السياسي، حول هذا الأخير إلى ميكانيك طوعي يمضي بتلقلئية آلية من خلال مواعيد ومواقيت انتخابية واحتفالية، محبوكة القصة ومعدودة النتائج مرسومة الملامح، أعراس ومواكب سيارات تدق اجراس الفرحة المعلومة في شوارع خالية من السياسة، والواقع يزداد ترد من عرس إلى آخر من عُهدة إلى أخرى.

وعليه صار واضحا أن الحراك لم يعد يُفهم أو يقرأ من زواية كونه احتجاج على واقعة (العهدة الخامسة) أو واقع (انتشار الفساد) بل على خطايا تاريخية كبرى متعلقة أساسا بالعقل الوطني الذي يؤسس لعقد وطني جديد، كانت المسارات المؤدية إلى ميلاده ونضوجه تُخرب وتضرب في الظلام داخل النخب والأحزاب، فأي عمل سياسي وطني لا ينبثق عن فكرة، يطرحها ويطورها ويتطور بها وفق تطور المجتمع وسير الأحداث الوقائع، ستتحول حتما إلى مهزلة وقرف يعافه الناس، وهو ما جرى وسعى خلفه النظام بما اقترفه من بولسة مقيتة جسدها من خلال “نواب الفاعل” من مثل سعيد سعدي، الطبيب، المثقف، الكاتب! الذي لم يصبح مليارديرا بأي من هاته الصفات والوظائف بل بصته سياسيا كما قال عنه مزيان أوراد!

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى