هكذا سلمت أمريكا والأمم المتحدة العراق لإيران
* عبدالحميد الهمشري

الوضع في العراق هش ، تهيمن عليه إيران من خلال تجنيد عملاء لها في الداخل العراقي يكونوا عصاها الغليظة أمام كل تمرد أو احتجاج لهيمنتها ، خاصة وأن القرارات الصادرة عن مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة التي شكلت لجان لمتابعة أوضاع إقليمية مع دولة ذات سيادة ، لكن تجير تلك اللجان بقدرة قادر لزيارة دولة أخرى لا علاقة بها بالأمر ، ويمثل هذا اعتداءً صارخاً على سيادة دولة أخرى معترف بها في الأمم المتحدة لتضفي شرعية للخيار الإيراني في العراق دون الإعلان عن ذلك صراحة ، حيث كشفت مصادر في البنتاغون الأمريكي أن إيران التوسعية هي المنتصر الوحيد من احتلال القوات الأمريكية للعراق وإسقاط نظامه الوطني وحل جيشه العروبي ، فاستغلت إيران الفوضى التي حصلت في العام 2003 لصالحها مخترقة النظام السياسي والاقتصادي للبلد من خلال فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني وقوات بدر ذات الولاء الإيراني المطلق ومليشياتها الطائفية ، حيث أخذت إيران تدعم الحكومات الطائفية المتعاقبة والتي تشكلت منذ العام 2003 وتشرف على الانتخابات العراقية من ألفها ليائها ، وما كان هذا ليحصل لولا تمزيق الولايات المتحدة للعراق العربي ، ما مكن إيران من استغلال انسحاب الجيش الأمريكي منه لتعزيز تواجدها الأمني والطائفي والاستخباري في البلد وإنشاء مليشيات عراقية تأتمر بحرسها الثوري الإيراني وتعزيزها بالمقدرات التي تمكنها من زعزعة أمن واستقرار البلد لصالح الهيمنة الإيرانية المطلقة عليه .. وقد أسهم شركاء العملية السياسية الذين دفعت بهم أمريكا لقمة السلطة والذين هم في الأساس ينضوون تحت إمرة إيران لتعزيز هذا التواجد ، فالإيرانيون استفادوا واستغلوا كل عثرة أمريكية في العراق واستخدموها لتوسيع تأثيرهم ونوفوذهم وتسويق مصالحهم، فعندما حلت سلطة التحالف المؤقتة الجيش العراقي بناء على سياسة اجتثاث البعث ، استغلت إيران الخلاف الطائفي بين السنة والشيعة من أجل دمج الضباط السابقين فيه واستخدمتهم في خدمة أهدافها التوسعية ، واستطاعوا بناء علاقات مع مسؤولين بارزين من شركاء المحاصصة السياسية شكلوا الحكومات العراقية المتعاقبة ، فعندما أعلنت أمريكا عام 2011 عن خطة الإنسحاب من العراق استغلتها إيران في تجنيد عملاء السي آي إيه في البلد الذين فقدوا وظائفهم بعد الانسحاب ، حيث غير هؤلاء جلودهم الأمريكية بجلود إيرانية حيث تعاون هؤلاء مع المخابرات الإيرانية وقدموا لها كل ما يتوفر لديهم من معلومات عن عمليات سي آي إيه في العراق تعزز من قبضتهم على العاصمة بغداد وشتى المحافظات العراقية الأخرى من البيوت الآمنة الخاصة بعملاء السي أي إيه فأسماء الفنادق ومسؤوليها والتدريب الرقابي الذي تلقوه ، وأسماء العملاء العراقيين الذين عملوا مع الأمريكان ، فالغزو الأمريكي للعراق هدم كل ملمح من الإستقرار ونشر الفتن لصالح الهيمنة الإيرانية.
حتى أن الأمم المتحدة على ما يبدو أصبح مرجعها الرئيسي بخصوص الشأن العراقي طهران ، بدليل ما أعلنت عنه الممثلة الخاصة للأمين العام في العراق جينين هينيس بلاسخارت عن قيامها بزيارات للعاصمة الإيرانية طهران لبحث التطورات في العراقوالانتخابات التي سيشهدها حال إقرار تاريخ إجرائها رسمياً ، مؤكدة أن هذه الزيارة لم تكن الأولى فقد سبق لها وللممثل الخاص للأمين العام وأن قاما بزيارات مماثلة لطهران ، وأن هذه الزيارة تأتي تعزيزاً لتفويض بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2522 لعام 2020 ، والذي سبقته قرارات تفويضية خاصة ببعثة الأمم المتحدة في العراق؛ فبعد احتلال الولايات المتحدة وحلفائها للعراق في نيسان 2003، كان ثمة إرادة أمريكية لاستخدام الولايات المتحدة أداة مساعدة لها في إدارة العراق، لذا تضمن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483 الصادر في 22 أيار/ مايو 2003 الذي صاغته الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وفيه إقرار بوصفهما “دولتين قائمتين بالاحتلال” طلبا من الأمين العام للأمم المتحدة بتعيين ممثل خاص للعراق، تشمل مسؤولياته تقديم تقارير منتظمة إلى المجلس عن أنشطته، فضلاً عن عمليات التنسيق فيما يتعلق بالمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار أعقبتها قرارات تدعو لإنشاء بعثة خاصة لمساعدة العراق لأداء تلك المهام، والتي تتعلق بـ تقديم الإغاثة الإنسانية، وتعزيز الإعمار الاقتصادي للعراق، وتهيئة الظروف المواتية لتنميته المستدامة، ودعم جهود إعادة المؤسسات الوطنية والمحلية وإنشائها ، وأخيراً قرار مجلس الأمن رقم 1770 الصادر في 10 آب/ أغسطس 2007 الذي وسع مهام الممثل الخاص للأمين العام وبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، ليتضمن تقديم المشورة والدعم والمساعدة للحكومة العراقية، أو بالتنسيق معها، في مجالات عدة، وتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها، والإصلاح القضائي والقانوني، ولكن ذلك كله يجب أن يتم بناء على طلب حكومة العراق ، لكن وأمام التغول الإيراني في العراق فإن الحكومة العراقية لا سيادة في ظل الهيمنة الإيرانية ولا يمكنها من طلب العون والمساعدة سوى من طهران ، وهكذا تحولت يونامي إلى مجرد “جهة استشارية داعمة مساعدة” خاضعة لإرادة الحكومة العراقية التي تأتمر بأوامر إيرانية ، وليس لها إي قدرة ذاتية على الفعل أو الحركة ، هذا هو الواقع الذي يئن تحت وطأته شعب العراق ولا يمكنه أن يمارس حقه في السيادة على أرضه دون التخلص من النفوذ الإيراني وشركاء المحاصصة الطائفية التي نهبت ثرواته.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى