هكذا فقد الحكام العرب قيمتهم لدى واشنطن

وفقا لتقرير سنوي صادر عن مؤسسة “داون” (الديمقراطية الآن للعالم العربي) فإن دعم الحكومات الأجنبية للأنظمة المستبدة من العوائق الرئيسية لإرساء الديمقراطية في الوطن العربي.

وكان العقد اجتماعي الضمني في المنطقة مفاده أن الأنظمة يمكنها الحكم بالشكل الذي تراه مناسبا طالما وفرت لشعوبها سبل الأمن والرفاهية، لكن من الواضح أن أحد طرفي الاتفاق فشل في الوفاء بوعوده، فلم تعد الأنظمة قادرة على تحقيق احتياجات الشعوب.

لذلك من الضروري إبرام عقد اجتماعي جديد قائم على افتراضات مختلفة ترتكز على الحقوق المدنية.

وفي حين يظل الاستبداد هو السمة المميزة للعديد من الأنظمة العربية، إلا أنه أصبح مجرد بقايا متكلسة لصورة قديمة.

ويجب على القوى الخارجية المؤثرة، لا سيما الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، إعادة النظر في دعمها للحكم الاستبدادي وإعادة تقييم ما إذا كان هذا الدعم يخدم مصالحها حقا.

وخدمت الأنظمة الاستبدادية المصالح القومية الأمريكية في بعض القضايا المهمة خلال العقدين الماضيين، لكن الظروف في المنطقة تغيرت بشكل كبير، وتلاشت صيغة المقايضة بين الأنظمة غير الديمقراطية والغرب.

وفي الوقت الذي كانت هذه الأنظمة تدعم المصالح الأمريكية، فقد كانت تسعى بشكل محموم لتحقيق مصالحها الخاصة أيضا، ولطالما كان هدفها الأساسي هو البقاء وعدم المساءلة.

وحاليا، لم يعد هناك مبرر لاستمرار دعم واشنطن وعواصم غربية أخرى لهذه الأنظمة.

ويجب أن يعمل دعاة الديمقراطية وحماتها في الخارج مع الأنظمة الراغبة ومع المجتمع المدني العربي لتطوير عقد اجتماعي جديد يركّز على حقوق الإنسان.

وقبل الحديث عن تفاصيل العقد المقترح، دعونا نراجع اثنين من المصالح القومية الأمريكية الاستراتيجية التي ساعد الحكام العرب الولايات المتحدة على تحقيقها مقابل دعم واشنطن لاستبدادهم.

أولًا، الإرهاب، ومنذ 11 سبتمبر/أيلول 2001، عملت وكالات الأمن القومي الأمريكية عن كثب مع المستبدين العرب ضد المنظمات والجماعات الإرهابية، بما في ذلك “القاعدة” و”طالبان” والجماعات الإقليمية التابعة لـ”القاعدة” وتنظيم “الدولة الإسلامية” ومجموعات أخرى في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأماكن أخرى.

وقدمت أجهزة الاستخبارات في العديد من الدول العربية معلومات وتحليلات حول الجماعات الإرهابية والأفراد الذين يشتبه في قيامهم بالتخطيط لهجمات إرهابية ضد الولايات المتحدة وحلفائها.

لكن بعد 20 عاما على أحداث 11 سبتمبر/أيلول، لا يزال التهديد الإرهابي قائما، بالرغم من تراجعه بشكل كبير.

وبمرور الوقت، اكتسبت وكالات الأمن القومي الأمريكية خبرة عميقة في تعاملها مع هذه الجماعات وقدرات كبيرة لتعقبها والقضاء على قادتها وإضعاف عملياتها، لذلك لم يعد دعم الأنظمة الاستبدادية حيويا كما كان في ذلك الوقت، ويعني ذلك أن الصفقة الاستخبارية فقدتبريقها وفائدتها.

ثانيا، حرب العراق وأفغانستان، وانتهت الحربان اللتان قادتهما الولايات المتحدة في أفغانستان منذ خريف عام 2001 وفي العراق منذ ربيع عام 2003 بجميع مقاصدهما وأغراضهما.

وفي العقدين الماضيين، اعتمدت الولايات المتحدة بشدة على حلفائها العرب المستبدين في شن هذه الحروب. وأكد كبار صانعي السياسة في واشنطن خلال تلك الفترة أن الدعم الإقليمي كان حاسما لمتابعة المهمة الحربية وخدمة المصالح الإقليمية والاستراتيجية للولايات المتحدة.

وخلال ما يعرف بالحرب العالمية على الإرهاب، كانت واشنطن تستخدم دعم الحكام العرب لمهمتها الإقليمية لتبرير التغاضي عن طغيانهم وفسادهم وانتهاكهم الصارخ لحقوق الإنسان بشكل كامل.

وقبلت الولايات المتحدة رواية تلك الأنظمة عن الاستقرار الداخلي وادعائها الزائف أن هذا الاستقرار لا يمكن تحقيقه إلا من خلال القيود الصارمة على حرية التعبير.

ولم تكن العلاقة بين المستبدين العرب والولايات المتحدة متكافئة، فقد حصلوا من واشنطن على أكثر بكثير مما قدموه.

ومع انتشار الجيش الأمريكي في معظم تلك البلدان، عززت تلك الأنظمة استبدادها بمباركة أمريكا وجيشها.

هل حان الوقت لعقد اجتماعي جديد؟

خلص المفكرون العرب داخل المنطقة وخارجها إلى أن العقد الاجتماعي القديم بين الأنظمة العربية وشعوبها قد انهار.

وبالرغم من الثروات الهائلة التي يتمتع بها الحكام، فإن شعوب المنطقة تعاني من الفقر والجهل وتردي الخدمات الصحية والتعليمية.

وفي حين أن العالم تحرك نحو التكنولوجيا والابتكار ومشاريع ذات طابع جديد لخلق فرص العمل، فإن العالم العربي لا يزال قابعا في نظام دولة قومية هرمي يضرب الجمود أوصاله ويرأسه قادة جاهلين وغير خاضعين للمساءلة.

وكما جاء في تقرير “داون”، لا يزال الجمهور العربي يتوق إلى حكم ديمقراطي وخاضع للمساءلة ومعني بحقوق الإنسان.

ويبدو أن العقد الاجتماعي الجديد هو السبيل الواقعي الوحيد نحو استقرار محلي وإقليمي حقيقي.

ولكي يصبح هذا العقد قابلا للتطبيق، يقول المفكرون العرب إن مثل هذا العقد يجب أن يشمل جهات فاعلة أجنبية مؤثرة (لا سيما الولايات المتحدة والقوى الاستعمارية الأوروبية السابقة) والمنظمات المجتمعية الشرعية، والأنظمة، والقطاع الخاص، خاصة أصحاب العمل الكبار ومؤسسات التعليم والتدريب.

وعندما تبدأ الأطراف المختلفة العمل على العقد الاجتماعي المتصور، يجب أن تكون مدركة للمصالح الرئيسية لأهم اللاعبين والخطوط الحمراء التي يجب أن لا يتجاوزوها.

ويجب أن يسعى العقد الاجتماعي للخروج بنتيجة مربحة لكل الأطراف وتجنب النموذج الصفري. ويجب أن يتضمن الافتراضات الأساسية التالية:

لا يتعلق الأمر بما إذا كان ينبغي للأنظمة القائمة البقاء أو الرحيل بل يتعلق بالمشاركة الحرة للجماهير في العملية السياسية من خلال انتخابات حرة ونزيهة.

يجب أن يقوم رجال الأعمال الكبار والحكومات والمانحين الأجانب بتمويل الشراكات بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني ومبادرات خلق فرص العمل.

يجب العمل على المبادرات التعليمية والتدريبية الرئيسية التي تهدف إلى تنمية جيل من الشباب قادر على العمل في اقتصادات القرن الـ 21 التي تحركها التكنولوجيا.

يجب على الشركاء في العقد الاجتماعي أيضا تمويل المشاريع الكبرى لتعزيز البيئات الصحية ووقف التدهور البيئي في جميع أنحاء المنطقة.

وفوق كل شيء، يجب أن يركز العقد الاجتماعي الجديد على كرامة الإنسان وسيادة القانون وتكافؤ الفرص والانسجام الطائفي والعرقي.

ويمكن أن ينجح العقد الاجتماعي المتصور إذا قبلت الأنظمة المساءلة، وإذا كان معارضو النظام على استعداد لقبول تحقيق “نصف الهدف” كخطوة أولى.

وغالبا ما نصح الحقوقي البحريني الراحل “جاسم مراد” المعارضة بقوله: “خذ ما يمكن الآن واطلب المزيد لاحقا، فلن يفيد الإصرار على تحيق النظام لـ 100% من مطالب المعارضة”.

ومن المؤسف أن الصراع الطائفي الدموي المستمر في ذلك البلد أثبت حكمة كلماته.

 

المصدر | إميل نخلة/ريسبونسيبل ستيتكرافت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى