هكذا ينجب الأسرى الفلسطينيون من داخل السجون الإسرائيلية

السياسي – اتجه الكثير من الأسرى الفلسطينيين بخاصة أصحاب الأحكام العالية، إلى تهريب النطف وإنجاب الأطفال حتى وهم داخل السجن، في طريقة تَحَدٍّ لإسرائيل التي تسعى لهدم أي صلة بين الأسير وذويه.
قطاع غزة ـــ في ظل الأحكام العالية التي تفرضها إسرائيل بحقّ الأسرى الفلسطينيين والتي تصل إلى الحكم بالمؤبد (مدى الحياة) أو لسنوات طويلة يخرج معها الأسير مُسِنّاً، تمنعهم تلك الأحكام من تحقيق هدفهم بالإنجاب، فالبعض منهم يموت وهم داخل السجون دون أن يتحقق حلمهم بالخروج من السجن والإنجاب.

ابتكر بعض الأسرى طريقة تمكّنهم من الإنجاب وهم داخل السجن، وذلك عن طريق تهريب السائل المنوي أو ما يُعرف بالنطفة المهرَّبة التي يتم تلقيحها في زوجة الأسير بإشراف أحد مراكز الإخصاب الموجودة داخل قطاع غزة.

نُطفةٌ مهرَّبة تحولت إلى طفل

فهمي أبو صلاح، أحد الأسرى الذين لجؤوا إلى تهريب النطفة، ما زال يقبع داخل السجون الإسرائيلية، تحديداً في سجن ريمون الصحراوي، والذي حُكم عليه لمدة 22 عاماً قضى منها 12 عاماً.

تقول والدته منى: “تزوج ابني فهمي عام 2007، لكن فرحته بالزواج لم تدم طويلاً، لأنه اعتُقل في الثامن عشر من مارس/آذار عام 2008، وذلك عندما أقدم الجيش الإسرائيلي على اقتحام مدينة بيت حانون شمال قطاع غزة، فقام باعتقال عديد من شباب المدينة.

وتتابع: “لم أتخيل يوماً أن أشاهد حفيدي أمامي إلا بعد خروج والده من السجن، فهذا كان بمثابة الحلم، لكن النطفة التي تم تهريبها عام 2014 نجحت في أن تحقّق ذلك الحلم”.

وتضيف منى: “عندما أشاهد حفيدي الذي سميناه أسعد يجلس أمامي داخل المنزل أشعر أن ابني هو الذي يجلس، فوجوده عوّضنا النقص والحرمان الذي حرمتنا إسرائيل منه”، مشيرة إلى أن حفيدها يبلغ ست سنوات ويذهب إلى المدرسة ويُعتبر من المتفوقين بالدراسة”.

لا خيار آخر

وحول اللقاء الأول بين الأب وابنه داخل السجن قالت: في المرة الأولى التي ذهبت فيها لزيارة ابني برفقة حفيدي بكى كل من شاهدنا من الأسرى خلال الزيارة من شدة الفرحة التي لم يتوقعوا أن تحدث بنجاح عملية التهريب، واحتضن كلاهما الآخَر بلهفة وشوق.

تقول زوجة الأسير أبو صلاح وهي تقبّل رأس طفلها:”الحكم العالي لزوجي أجبره على أن يعمل على تهريب النطفة وأن أقوم بإجراء عملية تلقيح صناعي من خلال النطفة المهربة من أجل الإنجاب، فلا خيار آخَر أمامنا”.

وتضيف: “لم أتوقع أن ينجح الحمل من خلال النطفة المهرَّبة، لكن خلال المتابعة المستمرة مع أحد المراكز نجح ذلك، وشعرت بالسعادة الممزوجة بالألم عندما أنجبت طفلي أسعد، والألم لأن زوجي يقبع داخل السجون الإسرائيلية، فنحن نعيش في الفترة الحالية حزناً شديداً لأن المنزل يفتقر إلى أحد أعمدته”.

وتتابع قائلة: “عندما يريد طفلي رؤية والده يطلب مني أن أفتح له هاتفي من أجل مشاهدته من خلال الصور التي أحتفظ بها، وذلك لأننا منذ أربع سنوات محرومون من زيارته داخل السجن، فطفلي يتمنى أن يخرج والده من أجل احتضانه، فكيف لطفل أن يبصر النور دون أن يرى والده؟ فهو يريد أن يعيش كباقي أطفال العالَم بين أحضان والديه”، متمنية أن تشرق شمس الحرية بخروج زوجها وجميع الأسرى من السجون الإسرائيلية.

سفراء الحرية

تامر الزعانين، 34 عاماً، أسير آخر اعتُقل عام 2006 ولجأ إلى تهريب النطفة عام 2014 بعدما سمع بنجاح عملية التهريب لأول أسير فلسطيني، هو عمار الزبن. أُفرِجَ عن الزعانين العام الماضي ليخرج ويشاهد النطفة التي هرّبها طفلا بلغ من العمر 6 أعوام.

يقول الزعانين وهو يحتضن طفله: “عندما دخلت السجن لم أتوقع أن أنجب إلا في حال خروجي، لكن عن طريق تهريب النطفة تمكنت زوجتي من الإنجاب والفرحة بطفلنا وأنا داخل السجن، واكتملت تلك الفرحة عندما خرجت من السجن.

وينوه الزعانين بأن الأسرى اتجهوا إلى هذه الطريقة، بخاصة أصحاب الأحكام العالية، في طريقة تَحَدٍّ لإسرائيل التي تسعى لهدم أي صلة بين الأسير وذويه، فالدين الإسلامي يحلل هذه الطريقة، فالأطفال الذين يولدون عن طريق النطفة يطلق عليهم “سفراء الحرية”.

أنجبت زوجات الأسرى 85 طفلاً

من جانبه، يقول رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين عبد الناصر فراونة: “كانت فكرة تهريب النطفة وزراعتها بالأنابيب تُناقَش بخجل بين عدد قليل من الأسرى وزوجاتهم، إلى أن نجحت أول عملية تهريب نطفة للأسير الفلسطيني عمار الزبن المحكوم بالمؤبَّد، وهو أول أسير قام بتهريب النطفة لتنجب بعدها زوجته في 13 آب/أغسطس 2012 وهو داخل السجن، وبعد ذلك سار على دربه عديد من الأسرى الذي قاموا بتهريب النطفة وتحقيق حلمهم بالإنجاب”.

ويتابع: “تعبِّر ظاهرة تهريب النطفة عن الهمّ الإنساني الذي يعاني منه الأسرى الفلسطينيون، فقد لجؤوا إلى هذه الطريقة بسبب أحكامهم العالية، وهم بذلك يرسلون رسالة تَحَدٍّ وصمود لمواجهة السجان الإسرائيلي الذي يسعى لطمس الأسرى وتدمير وجدانهم الداخلي، وتُعتبر هذه الظاهرة لدى الفلسطينيين بمثابة الانتصار، مبينا أن عدد الأسرى في السجون الإسرائيلية وصل إلى 5000 أسير بينهم 200 طفل”.

ويضيف فروانة : “منذ عام 2012 إلى الآن تمكنت زوجات الأسرى من إنجاب 85 طفلاً موزَّعين على مختلف القرى والمدن والمناطق الفلسطينية”، مشيراً إلى أن إسرائيل سعت خلال تلك الفترة إلى إحباط عملية التهريب من خلال عزل الأسرى بالسجن الانفرادي ومنع زيارة ذوي الأسرى وفرض غرامات مالية عليهم”.

ويشير فروانة إلى أن الأسرى ما زالوا يقومون بتهريب النطف رغم القيود التي تفرضها إسرائيل، فقبل أيام من الاَن وتحديداً في الثالث من فبراير/شباط الجاري أنجبت زوجة الأسير وليد دقة المحكوم عليه بالسجن 38 عاماً طفلته “ميلاد” عن طريق نطفة قام بتهريبها سابقاً، والطريقة التي يتم بها تهريب النطفة لا يمكن الإفصاح عنها خوفاً من اكتشاف الإسرائيليين لها، إذ تقهرهم تلك الطريقة.

الدين الإسلامي يُحِلّ

بدوره يقول الشيخ الداعية الدكتور عماد حمتو، من علماء الأزهر الشريف: “تُعتبر قضية تهريب النطفة إحدى صور الجهاد في سبيل الله والإبداع الفلسطيني الذي يشقّ الأسرى من خلاله الطريق إلى إنشاء حياة جديدة لهم خارج السجن والقدرة على الثبات بخاصة أن عديداً من الأسرى من أصحاب الأحكام العالية والتي تمنعهم إسرائيل من أن يتواصلوا مع ذويهم، وترفض الخلوة الشرعية بينهم وبين زوجاتهم.

ويضيف حمتو: “لا يتعارض تهريب النطفة الخاصة بالأسرى مع الشريعة الإسلامية، فهو يحقق مبدأً شرعيّاً وَفْقاً لشروط ينبغي بها أن تكون واضحة وثابتة من الناحية الشرعية والطبية، بحيث يتأكد الطبيب الذي يقوم بزرع هذه النطفة من شهادة الشهود وحلف اليمين من أن هذه النطفة تعود للأسير المراد زراعة هذه النطفة في زوجته، حتى لا يتسرب أي مفهوم من مفاهيم الشبهة في هذه القضية، وقد صدر عديد من الفتاوى وَفْقاً لمرجعيات دينية من خارج فلسطين وداخلها بجواز طريقة الإنجاب.

واختتم حديثه قائلاً: “المسألة من الناحية الدينية تتناسب معها من الناحية الوطنية، فالأسرى هدفهم هو مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، فهذا الشيء يعمل على زراعة الأمل في نفوس الأسرى من أجل الصمود ومواصلة النضال حتى نيل الحرية وإدراك الأسير بأن له أبناء خارج السجن”.

المصدر: TRT عربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى