هل تقدم تركيا على “غزوة رابعة” شمال سوريا؟

رجحت دراسة استراتيجية أمريكية قيام تركيا بعملية عسكرية في شمال سوريا، قد تأخذ شكل ”غزوة رابعة“، على حد تعبيرها، وذلك في سياق متغيرات مستجدة بينها ما طرأ على الموقف الأمريكي من رفع وتيرة تهديد واشنطن لأنقرة من جهة، وما تحرزه الحكومة السورية من قبول وتأهيل على المستويين الإقليمي والدولي من جهة أخرى.

وأكدت الدراسة، التي نشرها، مركز“ يوراسيا ريفيو“، مقره ولاية أوريغون الأمريكية، بعنوان استفهامي ”سوريا تواجه غزوة تركية رابعة؟“، أن ”موعد العملية العسكرية التركية التي هدد بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مرتبط بما وصفه أنه شبكة مقايضات بين موسكو وأنقرة، سيجري اختبارها في لقاء الرئيسين التركي والروسي ضمن قمة العشرين في روما نهاية الشهر الحالي“.

وتصف الدراسة السياسة الخارجية التركية في سوريا بأنها ”رؤية استراتيجية طويلة المدى جرت متابعتها بإصرار متسق، وتعتمد الآن على ما يوصف بأنها (تكتيكات الشرائح المتتابعة)، التي تستخدم فيها أنقرة مهارات التفاوض، وسياسة التأرجح، والضغط، والتهديدات“، بغية الحصول على ضوء أخضر روسي أمريكي للقيام بعملية عسكرية محدودة جديدة في شمال سوريا.

ويتمحور الجدل في النظرية التركية بشأن شمال سوريا، حول ”حق الدفاع عن النفس ضد وحدات حماية الشعب الكردية، والعبء الاقتصادي للاجئين السوريين في تركيا، وهو ما يبرر إنشاء (منطقة آمنة) لتوطينهم في شمال سوريا“، كما يقول التقرير.

وجاءت التطورات الأخيرة المتمثلة بـ“توترات أمنية على الحدود التركية ومقتل جنود أتراك في شمال سوريا“، بحسب أنقرة، لتعيد إحياء خيار الحرب، الذي هدد به أردوغان قبل أيام.

ويتتبع التقرير تسلسل النظرية، ابتداء من عملية ”درع الفرات“ في شهر أغسطس/آب من عام 2016، بعد 4 أيام فقط من تفجير انتحاري أدّى في النهاية إلى مقتل 57 شخصًا في غازي عنتاب، والتحذيرات من التدخل العسكري في إدلب، وهي التي تحوّلت إلى حقيقة بعد أسبوعين تقريبًا من سقوط 34 جنديًا تركيًا في شمال سوريا.

ويقرأ التقرير تطابقًا راهنًا أكثر جدية مع تلك الظروف، فيما قاله أردوغان خلال مؤتمر صحفي عقب اجتماع لمجلس الوزراء في الـ11 من شهر تشرين الأول/أكتوبر الجاري، حيث استشهد أردوغان بمقتل عنصرين من وحدة القوات الخاصة التابعة للشرطة التركية بالقرب من أعزاز، شمال سوريا، بعد أن أصيبا بصاروخ موجه من منطقة تل رفعت الكردية، التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية في اليوم السابق، واعتبر ذلك، كأحدث سبب ”لاتخاذ خطوات لحل هذه المشكلات في أسرع وقت ممكن“.

وأشار الرئيس التركي إلى أن ”تركيا لم يبق لديها صبر تجاه بعض المناطق في سوريا التي تعتبر مصدرًا للهجمات على بلدنا“.

وبينت الدراسة أن ”سياسة تركيا تجاه سوريا، وعلى مدى سنوات، هدفت إلى إنشاء منطقة عازلة بعمق 32 كيلومترا (20 ميلا) في شمال سوريا، حيث يعيش حوالي مليون إلى مليوني لاجئ سوري بسبب الحرب، بالإضافة إلى قوى الميليشيات الإسلامية وعائلاتهم“.

وأضافت أن ”خطة العمل التركية لتسوية هذا الهدف، تتضمن تغيير التركيبة السكانية للمناطق المهمة التي يقطنها الأكراد، ومنع إنشاء منطقة كردية تتمتع بالحكم الذاتي على الحدود الجنوبية لتركيا، وهي التي يمكن أن يكون لها تأثير على مناطق ذات غالبية كردية في جنوب شرق تركيا“، وفقا للتقرير.

وكان أردوغان نفذ خطوة مهمة نحو ذلك الهدف في عام 2019، وذلك عبر عملية أسماها ”نبع السلام“، بموافقة الرئيس الآمريكي، آنذاك، دونالد ترامب، احتلت تركيا بموجبها شريطا حدوديا يبلغ طوله 120 كم بين تل أبيض ورأس العين، وبعمق متفاوت يبلغ نحو 20 كم داخل الأراضي السورية،  أما المنطقة الحدودية المتبقية فاندرجت تحت السيطرة الروسية، حسب اتفاقية ”سوتشي“ في عام 2019 والمكونة من 10 نقاط، التي أنهت عملية ”نبع السلام“.

ويشير التقرير إلى أن نص الاتفاق في نقطته الخامسة يقضي بأن تنسحب وحدات حماية الشعب الكردية إلى ما وراء ”منطقة آمنة“ بعمق 30 كيلومترا، حتى في المناطق الحدودية التي تسيطر عليها روسيا.

ونصت النقطة 6 من الاتفاقية على أن ”الميليشيات الكردية“، التي تعتبرها تركيا فرعًا سوريًا من حزب العمال الكردستاني، يجب أن تغادر بالمثل المنطقة المحيطة في تل رفعت ومنبج مع أسلحتها ومعداتها.

لكن روسيا، كما يقول التقرير، لم تنفذ هذه اللوائح، وكانت النتيجة اشتباكات منتظمة بين المدفعية التركية والمرتزقة من فصائل المعارضة السورية الموالية لأنقرة، وبين وحدات حماية الشعب.

ولاحظ التقرير أن ”إعلان الرئيس التركي عن نفاد الصبر تزامن مع حدثين جديدين ملفتين: الأول قذائف الهاون التي سقطت في منطقة كركاميش الحدودية التركية في محافظة غازي عنتاب جنوبي تركيا، وفي جرابلس شمال سوريا، ومع الانفجار الأخير بسيارة مفخخة في عفرين أودى بحياة ستة أشخاص، والثاني أن موقف أردوغان في سوريا بات يتعرض لضغوط متزايدة مع تحسن مكانة الرئيس بشار الأسد في العالم العربي“.

ويعزو التقرير ”الإحباط الكبير من الجانب التركي إزاء إعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن أنه سيمدد صلاحيات الطوارئ الوطنية بشأن سوريا، وذلك بسبب قناعة واشنطن أن الإجراءات التي تتخذها الحكومة التركية لشن هجوم عسكري على شمال شرق سوريا تقوض حملة هزيمة تنظيم داعش في العراق وسوريا“، وفقا للتقرير.

ويرى التقرير أن ”السؤال الملح هذه الأيام هو إلى أي نطاق جغرافي وتوقيت يمكن تضييق نطاق العملية العسكرية التركية الوشيكة؟“، راصدًا ما يصفه بأنه ”مؤشرات إلى المنطقة المحيطة بتل رفعت باعتبارها الهدف للعملية التركية المتوقعة“.

وكان ”المرصد السوري لحقوق الإنسان“، نشر، يوم السبت الماضي، تقارير عن وصول عناصر من الفرقة الرابعة السورية، التي يقودها ماهر الاسد، شقيق الرئيس السوري، إلى مطار منغ جنوب مدينة أعزاز.

ونقل المرصد عن مصادر قولها إن قيادات التشكيلات العسكرية التابعة للحكومة السورية أوقفت الإجازات لعناصرها في مدينة تل رفعت بريف حلب بشكل كامل، تزامنًا مع رفع الجاهزية القتالية واستنفار المجموعات العسكرية“.

وسبق ذلك، بحسب المرصد، إلقاء طائرة استطلاع تركية منشورات ورقية  على مدينة تل رفعت، تضمنت تهديدا تركيا بـ ”تطهير مدينة تل رفعت من القوات الكردية“، وحثت المدنيين على ”التعاون مع قواتها قبل فوات الأوان“.

كما نشرت صحيفة ”ديلي صباح“ التركية، يوم الأحد الماضي، صورًا على ما يبدو التقطت بطائرات مسيرة تظهر عناصر من وحدات حماية الشعب الكردي يحفرون خنادق.

كما نشر الإعلام التركي تقارير تحدثت عن استعداد فصائل المعارضة السورية، الموالية لأنقرة، للتحرك.

ويخلص التقرير الأمريكي إلى أن ”جميع تلك المتغيرات، التي تحدث بموافقة روسيا، متوقع أن يبحثها أردوغان وبوتين في مؤتمر روما لدول العشرين، في الثلاثين من الشهر الحالي“.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى