هل تنجح أمريكا في جعل إيران دولة بمنزلة مليشيا؟!
ساري عرابي

بدأ التوتّر الأمريكي الإيراني في التصاعد؛ بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي مع إيران، وفرضها عقوبات أمريكية على الدول التي تشتري النفط من إيران. هذه العقوبات المفروضة بمحض الهيمنة الخاصّة بالولايات المتّحدة، وخارج القانون الدولي، أثمرت حصارا مؤذيا للإيرانيين، وقد واجه الإيرانيون ذلك الحصار بعمليات التحرّش العسكري والأمني في المنطقة المحاذية لهم، في اليمن والخليج والعراق، بهدف إجبار بقية الشركاء في الاتفاق النووي، وخاصّة الأوروبيين منهم، على كسر الحصار الأمريكي. وبكلمة أخرى، دار صراع على بقية أطراف الملف، بين الولايات المتحدة وإيران، اعتمدت فيه إيران سياسة التحرّش المتنامي، في مقابل تنامي الحصار الأمريكي المتّسم بالبرود وعدم الانفعال، وهو صراع من وجه آخر على الوقت، ورهان على نوايا وإرادات كلّ طرف.

الاشتباك الذي حصل في العراق أخيرا، وإن كانت له حيثياته الخاصّة بالملف العراقي، ولا يبعُد عنه التحريض الإسرائيلي، الذي سبقه قصف إسرائيلي مباشر في العراق في تموز/ يوليو وآب/ أغسطس الماضيين، فإنّه أيضا لا ينفصل عن التوتّر الناشئ عن الانسحاب من الاتفاق النووي وما تبعه من حصار اقتصاديّ مستمرّ، وهو ما يشير إلى تعدّد الساحات التي يمكن أن يتلاقى فيها الطرفان، بالاشتباك أو التسويات.

يعني ذلك أن احتمال التسوية قائم، لأنّ أصل الإشكال الجديد هو في مسألتي الحصار والاتفاق النووي، وإن لم يكن هو الاحتمال الأرجح حتّى اللحظة، بيد أنّه وفي حال اختارت إيران طريقا أكثر هدوءا من تصعيد التحرّش، أو الردّ العسكري، في معالجتها الاستهداف الأمريكي المعلن لأحد أشهر جنرالاتها الذين ما يزالون على رأس عملهم، ينبغي السؤال عن صورة الدعاية الإيرانية. فالاستهداف المعلن لضابط كبير جدّا، اهتمّت إيران للغاية في أسطرته والترويج له وتحويله إلى بطل قومي، وكشفت عن مسؤولياته الإقليمية الضخمة ممّا يجعله صاحب قرار سياسيّ. هذا الاستهداف، بشكله ونوعه، هو تقزيم لإيران الدولة، ومسّ بدعايتها، وحطّ من منزلتها إلى منزلة مليشيا مارقة!

لا يغيّر من طبيعة هذا الاستهداف ومعانيه السياسيّة، أن اغتيال سليماني حصل في العراق، أي خارج إيران، ولا المبرّرات الأمريكية حول تخطيطه لضرب المصالح الأمريكية، فالرجل له مغزى سياسيّ، كما أنّ له وظيفة معلنة قائمة، وصفة رفيعة. والاستهداف معلن، وهذا أمر يحصل بسهولة ضدّ المنظّمات، لكنه غير معهود بين الدول، إلا في استقواء دول كبرى أو إقليمية على دول أخرى بالغة في الضعف والهشاشة، وهي الصورة التي تجتهد إيران في تقديم عكسها تماما. وفي عملياتها الأمنيّة الأخيرة في محيطها الاستراتيجي، وإظهارها أهمّ حلفاء الولايات المتحدة في جوارها بمظهر العاجز، نجحت إلى حدّ بعيد في إكساب دعايتها صدقيّة مهمّة، إلى درجة امتناع الولايات المتحدة نفسها عن الردّ المباشر على إسقاط إيران لطائرة تجسّس أمريكية متقدّمة وباهظة الثمن، هذا فضلا عن تمدّدها ونفوذها في فضاء واسع من حولها شرقا وغربا.

ولذلك فإن الصمت الطويل، أو الاكتفاء بالتسوية على فرض إمكانها، هو مسّ جوهريّ بواحدة من مقوّمات السياسة الإيرانيّة، ولا يقتصر الأمر على الدعاية التي تُسوِّق بها إيران صورتها لجمهورها الإيراني؛ وجمهورها الموالي لها خارج إيران، فهذا على أهميّته واحد من طرفي الدعاية المستهدفة، والذي لا يتغذّى بالمال الإيراني فحسب، بل بالقوّة الإيرانية المتصوّرة، والإيمان بالنجاحات المتحقّقة والممكنة، وإنّما كذلك يمسّ من مكانتها إقليميّا، ويُشكّك في قدراتها، وفي الآماد التي يمكن أن تذهب إليها في تدابيرها العسكرية والأمنية، وبالتالي قد تَدْخُل إيران في مرحلة إضعاف، يتجرأ عليها فيه العديد من الأطراف.

يمكن القول إنّ الترويج للتسوية بصفتها انتصارا إيرانيّا على الإرادة الأمريكية هو أمر وارد، ويمكن القول حينها إن دماء سليماني رفعت الحصار عن إيران، لكن ذلك نفسه يجعل هذه التسوية مُستبعدة أمريكيّا، ولكي تكون مناسبة أمريكيّا فإنّها تحتاج وقتا طويلا من المفاوضات؛ يمنح الولايات المتحدة الفرصة لإخراج التسوية في سياق يبدو منفصلا عن حادثة مقتل سليماني، لا لحرمان إيران من دعايتها فحسب، ولكن كذلك للحفاظ على الهيبة الأمريكية. وهذه الحسابات تُظهر حجم التعقيد في هذا التصعيد في منطقة الخليج، ويُبيّن خطورة المناورة على حافّة الحرب، إذ لا يمكن الرهان على عدم إرادتها من الأطراف المختلفة. فالانزلاق نحو الخيارات الصفريّة وارد بالضرورة، حينما تكون المعادلات بهذا القدر من التعقيد، بل إن العقلانية حينها قد تستدعي المغامرة أكثر مما تستدعي الإغراق في التحوّط والحذر.

على ذكر الهيبة الأمريكية، يجدر التنويه بأن استهداف سليماني جاء بعد اقتحام السفارة الأمريكية في العراق، بعدما أظهرت الولايات المتحدة قبل ذلك برود أعصاب في مواجهة التحرّش الإيراني. وإذا كان البعض يشير إلى أسباب خاصّة بترامب؛ انتخابية وأخرى متعلّقة بإجراءات عزله بالإضافة لما يتعرّض له من تأثيرات لصالح حسابات صهيونية، فإنّه لا ينبغي إغفال الجانب الموضوعي من حيث رمزية السفارة ودورها، باعتبارها عنوان الهيمنة المباشرة، وهو عنوان له تاريخ مرير بين البلدين، ويؤشّر للاحتمالات التي يمكن أن يتجه إليها صراع البلدين في حال مُسّت بعض هذه العناوين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى