هل تنجح مبادرة “حمدوك” في إنقاذ الاقتصاد السوداني؟

السياسي – تباينت الآراء حول توقيت المبادرة التي أطلقها رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك لجمع تبرعات لإنقاذ الاقتصاد، حيث يرى فريق من الاقتصاديين أن المبادرة تأخرت كثيرا وجاءت في توقيت غير مناسب وأن جدواها ستكون ضعيفة نظرا لتفشي فيروس كورونا والإجراءات الاستثنائية التي تتطلب دعم الدولة للمواطنين لا مطالبتهم بالتبرع.
ويرى فريق آخر أن الحملة لاقت ترحيبا وتجاوبا كبيرا من الشعب بعد ساعات فقط من إطلاقها، وأن الجميع يجب أن يتكاتف من أجل إنقاذ الاقتصاد وتصحيح مساره، بشكل خاص بعد أن أضافت كورونا أعباء جديدة على الأزمات التي تعاني منها البلاد.. فهل تنجح المبادرة في العبور بالاقتصاد إلى بر الأمان؟.

الفرصة الضائعة

قال الدكتور محمد الناير الخبير الاقتصادي السوداني إن الحكومة الانتقالية برئاسة رئيس الوزراء د.عبدالله حمدوك أضاعت فرصة ذهبية بعدم الإعلان عن تبرعات من السودانيين بالداخل والعاملين بالخارج مع بداية تشكيل الحكومة، وقتها كان حماس الجميع كبير جدا بعد الثورة السودانية، ولكن طرح فكرة التبرعات جاءت متأخرة جدا ولن تحقق أهدافها بل أن العائد منها بالعملة المحلية أو ما يعادلها بالنقد الأجنبي لن يكون كبيرا.

وتابع الخبير الاقتصادي أن سبب عدم وجود العائد الكبير على الاقتصاد من تلك المبادرة يرجع إلى التوقيت الخاطئ، بإعتبار أن المواطنين يعانون من مشكلات اقتصادية كبيرة وصعوبة الحصول على سلع استراتيجية مهمة كالوقود والخبز، وارتفاع أسعار سلع أخرى، كما أن الأثر السالب لطرح الوقود التجاري سيظهر في ارتفاع كبير في أسعار السلع والخدمات في الأيام القادمة.

كورونا والمبادرة

وأشار الناير إلى أن فيروس كورونا الذي ضرب معظم دول العالم جعل التوقيت أيضا غير مناسب، حيث إن الحكومات تدعم مواطنيها وتوفر تسهيلات لمنع الانهيار اﻻقتصادي، لذا جاء طلب الحكومة في الوقت الخطأ، وكان من الأفضل مناشدة القطاع الخاص والذين لديهم قدرة مالية من المواطنين الإسهام المباشرة في توفير احتياجات الشرائح الفقيرة ومحدودي الدخل، لتتكامل الجهود الرسمية مع القطاع الخاص، وكان ذلك أفضل بذهاب الدعم لمشروعات محددة لمجابهة فيروس كورونا وتخفيف العبء المعيشي عن الشرائح الضعيفة.

لسنا فقراء

ومن جانبه قال عبد العظيم عبد المطلب عضو تجمع الكفاءات السودانية بالخارج، إن السودان ليس بلدا فقيرا، بل إن الموارد الطبيعية التي يمتلكها من أراضي زراعية خصبة ومياه وثروة حيوانية تتجاوز الـ150 مليون رأس بالإضافة للثروات الطبيعية كالبترول والذهب كان من الممكن أن تقفز به إلى الأمام وتضعه في مصاف الاقتصاديات العالمية، لأن كل المقومات المطلوبة من موارد وأيدي عاملة متوفرة، ولم يكن الأمر يحتاج إلا القضاء على الفساد لينهض السودان.

أسباب التدهور

وأرجع عضو تجمع الكفاءات الانهيار الاقتصادي والمستمر منذ عقود إلى عدة أسباب منها، الأزمة السياسية والتي أدت إلى فشل كل الحكومات على مدى 63 عاما، بجانب توهان العقل السياسي السوداني، وانتهاج سياسة تحرير الاقتصاد، بالإضافة إلى التضخم والذي لم تتم معالجته في البداية، مما أدى إلى فجوة كبيرة في ميزان المدفوعات.

وأضاف عبد المطلب إلى أن المصروفات الحكومية والعسكرية كانت فوق القانون وفوق ميزان المدفوعات، في ظل عدم توازن بين الإنتاج والاستهلاك وغياب الخدمة المدنية، وإهمال الحكومة للمؤسسات والمصالح وغياب الضمير، وتغليب المصالح الذاتية والحزبية.

استجابة سريعة

وحول مبادرة رئيس الحكومة لجمع التبرعات لإنقاذ الوضع المتدهور قال عبد المطلب، أعداد كبيرة من السودانيين استجابت للمبادرة الشعبية أطلقها رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، والتي تهدف لدعم برامج حكومته الاقتصادية ومواجهة فيروس «كورونا» المستجد، وتجاوز عدد المتبرعين خلال ساعات 35 ألفاً، وجمعوا مبلغ 25 مليون جنيه سوداني، (الدولار يساوي 50 جنيه) من إطلاق حملة «القومة للسودان».

ترحيب كبير

وأضاف عضو تجمع الكفاءات السودانية بالخارج، فور إطلاق الحملة قوبلت بترحيب عريض من معظم السودانيين، بينما قلل منها أنصار النظام المعزول، وبحسب موقع الحملة فإن عدد المتبرعين بلغ في ساعات قليلة 35089 متبرع، جمعوا أكثر من 25 مليون جنيه سوداني عبر التبرعات الصغيرة، بتحويل الرصيد عن طريق الجوال، أو التحويلات المصرفية (للسودانيين في الداخل)، ويمكن للسودانيين في الداخل والخارج التبرع عبر تحويلات بنكية أو تحويل الرصيد، وتتراوح فئات التبرع بين 3 و200 جنيه سوداني للشخص الواحد، بحسب ملصقات الحملة وموقعها على منصة التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، بينما تبرع رجال أعمال بمبالغ مالية لم يعلن عن تفاصيلها، في وقت ينتظر أن يدعم السودانيون العاملون بالخارج.

مبادرة حمدوك

وأطلق حمدوك منذ يومين مبادرة «القومة للسودان- الحملة الشعبية للبناء والتعمير»، وهي دعوة للتبرع الجماعي لمساعدة السودان في مواجهة الصعوبات الاقتصادية التي تواجهه، وقال في التلفزيون الرسمي: «أقف أمامكم اليوم بتواضع، وأمل كبير، ونحن نشهد فترة عصيبة في تاريخ بلادنا، وتواجهنا مسؤولية جماعية لحماية أمتنا ومجتمعاتنا، وكُلنا ثقة بأننا سنتغلب عليها بالتكاتف والتعاون والعمل المشترك»، وهى دعوة للتبرع الجماعى الذى سيُساعد السودان على مواصلة إرث الثورة.

وقال حمدوك – في كلمة وجهها للشعب السوداني مساء الخميس – “كما وقفنا متحدين لإسقاط النظام السابق، نقف الآن مرة أخرى لإعادة بناء وإعمار البلاد بعد عقود من الدمار والإنهيار”، مؤكدا أن معركة البناء والاعمار هى استكمال للخطى المجيدة التي مشى عليها الشعب السوداني في ثورته المستمرة، والتي تتوجت بإسقاط النظام.

وأكد حمدوك على أهمية إكمال الطريق إلى المستقبل المشرق للشعب السوداني، عبر الانخراط الجاد في مشاريع التنمية الديمقراطية والمشاركة في بناء وإعمار الوطن، موضحا أنه مع ظهور فيروس كورونا المستجد تستمر المساعي المختلفة في شتى بقاع العالم من سياسيين وكوادر طبية وناشطين وقطاع خاص ووسائل إعلام وتتضافر جهودهم ساعة بعد ساعة وتتضاعف لمحاربة انتشار هذا الوباء.

وأعرب رئيس الحكومة،عن ثقته في أن التماسك والتآزر الذي ظهر في الفترة الماضية هو نقطة الانطلاق الحقيقية التى من خلالها سيتم تجاوز هذه المرحلة الصعبة، مضيفا “لن نكذب على الشعب السوداني ونقول إننا لا نواجه تحديات جسام، فمنذ أن أدينا القسم كحكومة واجهتنا قائمة طويلة من التحديات والمشاكل والعقبات التي عقدنا العزم على التغلب عليها، وكان أبرزها الأزمة الاقتصادية التي جاءت نتاجا لإرث كالح من الفساد وسوء الإدارة والتبديد والإهدار لموارد الدولة، فضلا عن آثار عقود طويلة من العزلة الاقتصادية عن العالم نتيجة لسياسات النظام السابق.

وأوضح حمدوك أن فيروس كورونا أثر بشكل هائل على الاقتصاد العالمي، ولن يكون السودان إستثناء، وفي هذا الصدد نحن فإن حكومة الفترة الإنتقالية تعمل مع الشعب السوداني وكل شعوب العالم لهزيمة هذا الوباء الخطير.

قبل كورونا

وقال وزير المالية السوداني إبراهيم البدوي في نوفمبر الماضي إن احتياطات النقد الأجنبي لدى بلاده تكفي فقط لتمويل الواردات لعدة أسابيع، حيث واجه السودان حتى قبل الاحتجاجات التي أطاحت بالبشير أزمة سيولة وشح في النقد الأجنبي، ما تسبب في نقص حاد في واردات الخرطوم من الوقود والقمح والكثير من المواد الأساسية.

وقبل ظهور كورونا أعلن وزير المالية في حكومة حمدوك أن الاقتصاد السوداني يحتاج إلى نحو 5 مليارات دولار على أقل تقدير لدعم موازنته وإنجاز حزمة إصلاحات تفاديا لانهيار اقتصادي في الوقت الذي يتحرك فيه لتأمين مرحلة الانتقال الديمقراطي بعد عزل الجيش للرئيس عمر البشير تحت ضغط احتجاجات شعبية.

ويعاني السودان من أزمة منذ خسر معظم ثروته النفطية مع انفصال جنوب السودان في 2011 وقد امتدت لسنوات وتفاقمت بسبب سياسات النظام السابق، ويعتبر السودان أحد أكبر الدول المثقلة بعبء الدين إذ تبلغ ديونه 60 مليار دولار تحتاج الحكومة الانتقالية إلى تسويتها بشكل منفصل.

وورثت السلطة الانتقالية التي تشكلت في أغسطس/آب الماضي بعد اتفاق تقاسم السلطة بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى المعارضة، تركة ثقيلة من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والتي كانت الشرارة التي أشعلت احتجاجات شعبية ضد نظام البشير.

“سبوتنيك”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق