هل تهاجم إسرائيل منشآت إيران النووية؟
محمد ياغي

منذ اكتشاف البرنامج النووي الإيراني العام 2002 جعلت إسرائيل من إيران هدفاً لها. تحريض الولايات المتحدة على احتلال العراق كان أحد أسبابه إحضار القوات الأميركية الى الحدود الإيرانية وتهديدها بمصير مماثل للعراق إن لم تخضع منشآتها النووية للتفتيش وتغير من «سلوكها» في المنطقة، وهي عبارة تعني التوقف عن معارضة السياسة الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.
لكن المفارقة غير المتوقعة من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، أن الأخيرة أصبحت بحاجة الى إيران لتقليل خسائرها في العراق وتسهيل وجودها فيه. إيران بما لها من نفوذ في العراق كانت تُصعد وتُخفض حجم المواجهة مع القوات الأميركية، بما يجعل الأخيرة دائماً في حالة لا تُمكنها من استكمال الهدف الذي من أجله احتلت العراق، وهو إضافة الى إعادة تشكيله بما يخدم أهدافها، فرض واقع جديد على إيران والعربية السعودية وسورية بحيث يصبح الجميع أسير الرغبات الأميركية (والإسرائيلية ضمناً) دون القدرة على المعارضة.
الفشل الأميركي في العراق والذي كان نتاج حجم المقاومة وسياساتها الخاطئة فيه أيضاً وانشغالها في حرب على جبهة أخرى (أفغانستان) جعل إسرائيل أكثر قلقاً من استمرار البرنامج النووي الإيراني.
في شهر أيار العام 2008 طلب إيهود أولمرت من الرئيس بوش أثناء زيارة الأخير لإسرائيل قنابل خارقة للتحصينات، والسماح للطيران الإسرائيلي بالتحليق فوق العراق في طريقها لإيران، وتزويد الطائرات الأميركية بالوقود أثناء تحليقها بهدف قصف المنشآت النووية الإيرانية في «نتانز» لكن الطلب الإسرائيلي جوبه برفض صريح.
المخابرات المركزية الأميركية حينها كانت قد وصلت الى قناعة بأن إيران أوقفت تطوير منشآتها النووية، وأن أي هجوم عسكري على مفاعلاتها النووية قد يؤدي الى حرب شاملة تكون فيه القوات الأميركية في العراق ودول الخليج العربي عرضه للاستهداف، وكان ضمن تقييمها أيضاً بأن ضربة عسكرية لهذه المنشآت قد لا تنجح في تدميرها وستؤدي الى فشل احتواء البرنامج النووي الإيراني بالطرق الدبلوماسية.
منذ ذلك الوقت والى يومنا هذا لم يتوقف التلويح الإسرائيلي (والفعل على الأرض) باستهداف البرنامج النووي الإيراني. صحيح بأن إسرائيل لم تهاجم المنشآت الإيرانية بعمل عسكري مباشر إلا انها تمكنت من اغتيال العديد من العلماء الإيرانيين الذين يعملون فيها، ومن القيام بأعمال تخريبية كان آخرها في نيسان الماضي عندما تم تخريب شبكة الكهرباء التي تزود مفاعل «نتانز»، ما أدى لتدمير بعض أجهزة الطرد المركزي ومعها إحدى الكاميرات الخاصة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعقب ذلك في حزيران تفجير في منشأة نووية أخرى في مدينة كاراج الإيرانية.
رغم أن إسرائيل لم تتوقف يوماً عن تهديدها بمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية وعن أنشطتها التخريبية في إيران، إلا أن التصعيد مؤخراً في اللغة – تصريحات رئيس وزراء إسرائيل، نفتالي بينيت، بأن إسرائيل غير ملزمة بأي اتفاق بين الدول الكبرى وإيران بشأن برنامج الأخيرة النووي، والتدريبات العسكرية الأخيرة مع دول في الإقليم بمشاركة طائرات «إف 35» التي لا تحتاج الى التزود بالوقود في طريق ذهابها وإيابها من وإلى إيران، ومطالبات حلفاء إسرائيل في أميركا بتزويدها بالقنابل الخارقة للتحصينات (انظر كتابات دينيس روس حول هذا الموضوع ومقال توماس فريدمان الأربعاء الماضي في «نيويورك تايمز»)، جميعها توحي بأن إسرائيل قد تغامر بضرب المنشآت النووية الإيرانية.
لا أحد على وجه اليقين يعلم إن كانت الولايات المتحدة قد زودت أو ستقوم بتزويد إسرائيل بهذه القنابل، ولا نعلم إن كانت قد اتفقت سراً مع إسرائيل على عمل عسكري، وأن ما يُقال عن خلافات بينهما بشأن الملف النووي الإيراني هو من باب التضليل الإعلامي قبل الفعل العسكري، ولكن ما نعلمه هو التالي:
أولاً، إيران أصبحت تمتلك القدرات العلمية والتقنية واليورانيوم لإنتاج سلاح نووي ان ارادت. هي دولة على عتبة إنتاج سلاح نووي إن بقي مخزون اليورانيوم المخصب لديها والذي جمعته بفعل مغادرة أميركا ترامب للاتفاق النووي.
ثانياً، العودة للاتفاق النووي بشكله القديم لم يعد يرضي أطرافاً في البيت الأبيض، لأن هذا الاتفاق لم يعد يحقق الأهداف التي عُمِل من أجلها. الاتفاق القديم ينص على عدم السماح لإيران باستخدام أكثر من خمسة آلاف جهاز طرد مركزي حتى العام 2026، وعلى عدم حقها في الاحتفاظ بأكثر من 300 كغم من مخزون اليورانيوم المخصب وبنسبة لا تزيد على 3% تقريبا حتى العام 2031، وعلى عدم استخدام مفاعل «فوردو» لتخصيب اليورانيوم حتى العام نفسه. لكن الأعوام 2026 و2031 أصبحت قريبه بمعنى أن إيران ستتحرر قريباً من هذه الشروط وستعمل على تغييرها في أي مفاوضات جديدة لاحقاً لنهاية هذا الاتفاق. وهنالك من يقول أصلاً بأن اتفاق العام 2015 كان هدفه حرمان إيران أيضا من «الحق المعرفي» في كيفية تخصيب اليورانيوم وتطوير مفاعلات الطرد المركزي، وكل ذلك لم يتحقق بفعل خروج أميركا-ترامب من الاتفاق، وبالتالي ما الفائدة من العودة اليه بعد أن حققت إيران «الاختراق المعرفي».
ثالثاً، أميركا تعيد موضعه قواتها في منطقة الشرق الأوسط، ولا توجد معرفة دقيقة إن كان ذلك مرتبطاً فقط برؤيتها الاستراتيجية فقط في مواجهة الصين وفي الرغبة من الخروج من الشرق الأوسط الذي استنفذ مصادرها، ام أن ذلك مرتبط أيضاً باحتمال حدوث مواجهة في الإقليم وهي بذلك تعمل على تحصين قواتها وحمايتها من هذه المواجهة المحتملة.
رابعاً، هنالك مطالب إيرانية للقبول بالعودة للاتفاق النووي لا تستطيع الولايات المتحدة قبولها، وهو ما يعني بأنه حتى لو أرادت أميركا العودة للاتفاق بشروطه القديمة، فهذا لا يعني بأن إيران على استعداد للعودة له إلا إذا تخلت عن شروطها. إيران لا تريد فقط رفع العقوبات الاقتصادية المتعلقة ببرنامجها النووي ولكن جميع العقوبات بما فيها تلك التي فرضت عليها تحت مسمى «انتهاكات حقوق الإنسان»، وإيران تريد ضمانات بأن الإدارات الأميركية القادمة لن تقوم بإلغاء الاتفاق كما فعل ترامب. حتى لو قبلت أميركا بالشرط الأول من أجل العودة للاتفاق، وهذا مشكوك فيه لأنه غير متوافق مع اتفاق العام 2015، فإنها لا تستطيع قبول الشرط الثاني. هنالك أغلبية ديمقراطية – جمهورية مساندة لإسرائيل في الكونغرس تمنع الاتفاق من التحول الى وثيقة مصادق عليها من الكونغرس وملزمة للإدارات الأميركية اللاحقة.
لما تقدم من الأسباب، لا توجد ضمانة بان تتفق أميركا وإيران على العودة للاتفاق النووي، وحتى لو تم الاتفاق، فلا ضمانة على عدم وجود اتفاق سري بين أميركا وإسرائيل يسمح للأخيرة بمهاجمة مواقع إيران النووية.
هنالك متغيرات وتحالفات جديدة في الإقليم وهنالك استنزاف لإمكانيات العديد من الدول في المنطقة، وهذا مناخ فيه فرص وفيه تحديات.. لكن يقيناً هذه حالة لا تستطيع فيها إسرائيل الاستمرار طويلاً، فهي إما تقبل واقعاً جديداً (التعايش مع خصم قوي مثل إيران) وإما أن تعمل على تغير الواقع… نعرف على الأقل بأن إسرائيل عملت منذ إنشائها على أن تكون لها اليد العليا في المنطقة، ولا نعتقد بأن لها القدرة على العيش بطريقة أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى