هل حققت مسيرة الاعلام بالقدس أهدافها

السياسي – رفع المستوطنون الأعلام الإسرائيلية وهتفوا “الموت للعرب” ودخلوا ساحة باب العامود في القدس المحتلة؛ تخللت ذلك رقصات استفزازية وهتافات عنصرية واعتداءات ممنهجة على الفلسطينيين.

المسيرة تم تنظيمها بعد تأجيلها عدة مرات؛ حيث كان من المفترض أن تتم قبل عدة أسابيع في موعدها السنوي الذي يوافق ذكرى احتلال القدس؛ ولكن الصواريخ التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية من قطاع غزة كانت كفيلة بتشتيت جمع المستوطنين آنذاك.

عدة محاولات لتنظيم المسيرة تبعت ذلك؛ ولكنها فشلت بعد تقديرات أمنية إسرائيلية خشية من العودة إلى دائرة المواجهة مع الفلسطينيين في القدس والداخل المحتل والضفة الغربية وقطاع غزة، إلا أن القرار النهائي كان بتنظيمها مساء الثلاثاء مع تغيير مسارها وابتعادها عن المسجد الأقصى المبارك.

تراجع إسرائيلي

في كل عام يشارك عشرات آلاف المستوطنين في المسيرة؛ وهو الأمر الذي غاب بشكل واضح في مسيرة هذا العام؛ حيث شارك فيها ما لا يزيد على ألف مستوطن وفقا لتقديرات شهود عيان، بينما كانت الغالبية العظمى من المشاركين فتية دون سن السابعة عشرة، وشاركت فيها شخصيات متطرفة معروفة مثل عضو الكنيست “إيتمار بن غفير”.

الباحث في شؤون القدس زياد بحيص أكد أن ما يسمى مسيرة الأعلام هي حدث سنوي يهدف إلى استعراض “السيادة” الإسرائيلية المزعومة على القدس في ذكرى احتلال المدينة بالتقويم العبري من كل عام؛ وهي تأخذ شكل الحشد الاستيطاني بكمية كبيرة من الأعلام للطواف حول البلدة القديمة ثم دخولها من أبوابها الأقرب للأحياء المقدسية؛ باب الأسباط والساهرة والعامود.

وقال، إن ما جعل المسيرة محل اهتمام هذا العام هو أنها كانت أحد عناوين التراجع الإسرائيلي بدءا من ٢٨ رمضان، إذ اضطر الاحتلال لتغيير مسارها خوفا من المواجهات في القدس ثم تفرقت مساء مع انطلاق صافرات الإنذار.

وأشار إلى أن اليمين الإسرائيلي لم يستطع ابتلاع ذلك، وباتوا ينظرون إلى المسيرة باعتبارها عنوان سيطرتهم على القدس؛ فحاولوا الدعوة إلى مسيرة تعويضية في ١٠ رمضان ثم أجلت حتى الثلاثاء.

وأضاف: “لقد حاول المحتل تنظيم هذه المسيرة ثلاث مرات، وأرسل رسائل عبر الوسطاء لتنظيمها، وغيّر مسارها وتخلى عن دخول البلدة القديمة من باب العامود، وخفض عدد المشاركين والرايات، واستدعى أعداداً ضخمة من الشرطة ومع كل ذلك واجه مقاومة اضطرته لإخلاء المحكمة المركزية ووزارة القضاء في شارع صلاح الدين”.

ورأى بحيص أن الاحتلال إن كان قد نجح في شيء فقد نجح في تحويل المسيرة السنوية العادية إلى تحدٍّ، وانتقل من استعراض “سيادته” المزعومة على القدس إلى استعراض هشاشته وأزمته فيها، حسب تعبيره.

واعتبر أن تزعم اليمين المتطرف متمثلاً بإيتمار بن غفير وسموتريتش قاد إلى توريط المحتل في مسار تراجعي، وتحولت المغالاة في التطرف إلى نقيضها حين انتهت إلى التفكير في أن وصوله إلى “ساحة باب العامود” نصر، فهذا إقرار بأن القدس ليست عاصمته، بل إقرار بأنها ملك أعدائه حتى بات رفع علمه فيها نصراً.

تداعيات

الهجمة الشرسة التي نفذتها شرطة الاحتلال ضد المقدسيين وكل من تواجد في شوارعها كانت رسالة بحد ذاتها أن الاحتلال سيفعل المستحيل لإنجاح المسيرة، ولكن هذه الممارسات في الوقت ذاته أظهرت عجزا إسرائيليا واضحا عن تنظيم مسيرة محدودة الأعداد.

الباحث والمتخصص في علوم القدس والمسجد الأقصى المبارك عبد الله معروف قال إن ما حدث في القدس لا يمكن اعتباره نصرا ولا يمكن اعتباره هزيمة، ولا يمكن تقييمه بناء على الأحداث التي حصلت على الأرض عند باب العامود.

ورأى أن ما حدث كان سياقا طبيعيا للتحشيد الإسرائيلي في الفترة الماضية وتحشيد حكومة الاحتلال الإسرائيلية منذ فترة طويلة جدا؛ بعد الإخفاقات المتتالية للحكومة السابقة في تنفيذ ما كان يريده غلاة اليمين المتطرف من اقتحام باب العامود وهزيمتهم المتلاحقة منذ العاشر من رمضان مرورا بالثامن والعشرين من رمضان حتى العاشر من حزيران الحالي.

وتابع: “ما حدث كان سياقا طبيعيا ينبغي أن ننظر إليه ليس بعين الحدث نفسه وإنما بالنظر إلى ما وراء الحدث من حيث الخلفيات والتبعات، خلفية الحدث واضحة في أن الاحتلال كان يريد أن يثبت فقط مجرد وجوده في المدينة المقدسة وقدرته على رفع علمه فيما يعتبره عاصمته، وهذا الأمر بحد ذاته يعتبر فشلا ذريعا للمنظومة الإسرائيلية في نظرتها لفكرة السيادة في مدينة القدس، فلا توجد دولة عاقلة في العالم تحشد كل هذه الحشود العسكرية وترتب وتحضر كل هذه التحضيرات على أعلى المستويات منذ فترة طويلة جدا فقط لترفع علمها الوطني في ما تعتبره عاصمتها، هذا الكلام لا يحدث إلا في الدول الفاشلة”.

وأوضح أن “هذا المشهد هو ما حدث في القدس؛ حيث إن الاحتلال حاول منذ أسابيع طويلة مجرد أن يرفع علمه في منطقة باب العامود التي يعتبرها جزءا أساسيا من دولته وهذا دليل على فشل الاحتلال بشكل أساسي”.

واعتبر أنه ليس المهم التركيز على الحدث نفسه وإنما ما وراءه من نتائج وتداعيات لاحقة؛ فينبغي أن يعرف الاحتلال أن كل اعتداء على القدس والمسجد الأقصى بشكل خاص لا ينبغي أن يمر دون ثمن، ولذلك ينبغي أن نراقب التداعيات التي يتوقع أن تحدث فعليا بعد هذه الحادثة، وهي التي ستبين مدى نجاح الاحتلال أو فشله في إظهار سيادته في مدينة القدس وباب العامود.

وختم قائلا: “الحدث نفسه سار في سياق كان يحضر له بشكل مكثف؛ وظهر منه اهتزاز صورة دولة الاحتلال التي تضطر لاتخاذ كل هذه الإجراءات فقط لأجل رفع علمها في ما تعتبره عاصمتها، وهذا الأمر يعتبر فشلا ذريعا للمنظومة السياسية والسيادية الإسرائيلية”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى