هل ستتغير معادلة الصراع في سورية؟
سنية الحسيني

خلال الأسبوعين الماضيين شهدت الساحة السورية تطورات عسكرية ميدانية مهمة، يصعب فصلها عن تطورات المشهد السياسي العام للحرب الروسية الأوكرانية. جاءت تلك التطورات لتلحق بتطورات سبقتها بأيام تتعلق بتوتر في العلاقات الروسية الإسرائيلية في إطار الحرب الدائرة في أوكرانيا. ويبدو أنه لا بد من العودة قليلاً إلى الوراء، لتفسير طبيعة هذه التطورات في الساحة السورية، في محاولة لقراءة مستقبل العلاقات الروسية الإسرائيلية فيها.
شهدت الساحة السورية تطورات عسكرية ميدانية مهمة خلال الأسبوعين الماضيين، بدأت باستهداف صاروخ من طراز “اس ٣٠٠” لطائرة إسرائيلية مغيرة، أثناء عودتها من قصف أهداف إيرانية بالقرب من مدينة مصياف شمال سورية. ورغم عدم التأكد من الجهة التي أطلقت هذا الصاروخ المتقدم، اذ اعتبرت جهات بأنه قد يكون سوري المصدر، الأمر الذي يعني بأن ذلك جاء بترتيب مع القيادة الروسية في البلاد، لتحكمها بعمل هذه المنظومة المتطورة، أو أنه قد يكون قد أطلق من قبل قوات إيرانية، خصوصاً وأن إيران تمتلك نظاماً صاروخياً هجيناً، يحمل هذا النوع من الصواريخ أيضاً، الا أن ذلك يعد تطوراً ميدانياً مهماً يصعب تجاهله.

وتصدت الدفاعات الجوية السورية الأسبوع الماضي لعدد من الصواريخ التي أطلقتها إسرائيل في سماء دمشق، لاستهداف مواقع إيرانية، مسقطة عدداً غير قليل منها، في تطور دفاعي ملحوظ، خصوصاً في ظل عدد الصواريخ الإسرائيلية التي تم تحييدها. يأتي ذلك التطور على الرغم من وجود تفاهمات عسكرية ميدانية روسية إسرائيلية، بدأت منذ عام ٢٠١٥، مع بداية التواجد العسكري الروسي في سورية، ووجود خط ساخن مفتوح بين البلدين منذ نهاية ذلك العام لضبط التوترات الميدانية على الأرض.

وكان لذلك التنسيق الأمني بين البلدين دور مهم في تجاوز العديد من الأزمات، في بلد تعددت فيه الجهات العسكرية الفاعلة والمتصارعة. كما جاء ذلك التطور على الرغم من تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مع اشتعال الشرارة الأولى للحرب الروسية الأوكرانية، بنيته الحفاظ على التنسيق الأمني مع إسرائيل في سورية، حتى وإن اختلفت توجهات البلدين في الحرب الاوكرانية، على اعتبار أن إسرائيل حليف مقرب من الولايات المتحدة والقوى الغربية.
من الصعب فصل التطورات العسكرية الميدانية السابقة في سورية عن الاضطراب الاخيرة للعلاقات بين روسيا وإسرائيل، في إطار مشهد الحرب الروسية الأوكرانية، خصوصاً وأن ذلك يعيد إلى الذاكرة اضطرابات سابقة مشابهة بين البلدين. فقد شهدت العلاقات الروسية الأوكرانية مطلع الشهر الجاري توتراً بعد تصريحات أدلى بها سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي ضد إسرائيل، والتي جاءت بعد أن كشف اللثام عن موقف إسرائيل الحقيقي الداعم للتحالف الأميركي الغربي ضد روسيا في الحرب الروسية الأوكرانية، والذي حاول نفتالي بينيت رئيس الوزراء الإسرائيلي مواراته طوال أشهر الحرب الماضية، مبيناً أن بلاده تقف على الحياد. وكانت وزارة الخارجية الروسية قد اتهمت مرتزقة إسرائيليين بالقتال في كتيبة آزوف المتطرفة ضد روسيا، ووجود خبراء من الموساد يعملون إلى جانب القوات العسكرية الأوكرانية، بالإضافة إلى مشاركة إسرائيل في الاجتماع الذي دعت اليه الولايات المتحدة في قاعدة عسكرية لها في المانيا، مع عدد من حلفائها من داخل الناتو وخارجه، لتنسيق الجهود في دعم أوكرانيا عسكرياً. وعلى الرغم من محاولات بوتين امتصاص الازمة بين البلدين، باجرائه اتصالات مع رئيس الوزراء ورئيس الدولة في إسرائيل لتهنئتهما باعياد النصر على النازية، الا أن التصريحات الهجومية النارية بقيت مشتعلة بين البلدين، وهو الأمر الذي وصل إلى حد استدعاء السفراء في أكثر من مناسبة. ويبدو أن طول أمد الازمة الروسية الأوكرانية، اضطر إسرائيل للكشف أخيراً عن مواقفها الداعمة للتوجه الغربي، والذي يبدو أنه سيعكس موقفها من الآن فصاعداً.

مرت العلاقات الروسية الإسرائيلية في العام ٢٠٠٨ بأزمة مشابهة للأزمة الروسية الأوكرانية اليوم، حيث دعمت إسرائيل جورجيا عسكرياً خلال الحرب الروسية مع جورجيا، وهددت روسيا إسرائيل بالمقابل بأنها ستقوم بدعم سورية وإيران عسكرياً. وتعتبر إسرائيل من أهم الدول المصدرة للسلاح والتكنولوجيا الأمنية لدول الاتحاد السوفيتي السابق، بما فيها جورجيا وأوكرانيا.
وأدى ذلك الموقف الروسي إلى تراجع إسرائيلي عن دعم جورجيا في تلك الحرب، ووضع تفاهمات بين البلدين في إطار العلاقة بينهما، انعكست نتائجها في زيارة أهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي وشمعون بيريس رئيس الدولة في حينه إلى موسكو، وتوقيع اتفاقية لالغاء التأشيرة بين البلدين في نفس العام، وتحسن العلاقات العسكرية بينهما مطلع العام التالي، واستعادة روسيا لموقع أثري ديني في القدس عام ٢٠١٠، كما جمدت روسيا صفقة أسلحة متطورة مع إيران في ذات العام.

وشكلت هذه التفاهمات أساساً لعلاقة البلدين بعد ذلك في إطار هذا الملف، حيث تجنبت حكومة بنيامين نتنياهو انتقاد روسيا عندما سيطرت على شبه جزيرة القرم عام ٢٠١٤، في تناقض مع موقف الولايات المتحدة، حليفتها الاستراتيجية، والدول الأوروبية الصديقة، وأوقفت إسرائيل في ذلك العام تزويد أوكرانيا بالطائرات المسيرة.

وكانت حكومة بنيامين نتنياهو قد اعتبرت أن الاقتراب من روسيا ضرورة أمنية في ذلك الوقت، في ظل توجهات إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط. وكانت تلك التفاهمات المفتاح الذي سير علاقة البلدين في سورية، بعد التدخل العسكري الروسي فيها نهاية العام ٢٠١٥، حيث تعاملت إسرائيل مع تحد مزدوج تمثل في عدم الرغبة في الاحتكاك مع الروس في سورية، وفي نفس الوقت مواجهة التمدد الإيرانية فيها.
لا تعتبر العلاقات الروسية الإسرائيلية علاقات إستراتيجية أو علاقة حلفاء، إلا أنها علاقات مضبوطة ومحكومة بتحقيق المصالح ومرسومة وفق تفاهمات. فعلى الرغم من توجه روسيا بالاقتراب من الغرب، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، واستعادة العلاقات الروسية الإسرائيلية الرسمية السياسية والدبلوماسية في العام ١٩٩١، الا أن تلك العلاقات بقيت في إطار السياسة البراغماتية الهادفة إلى العودة إلى الشرق الأوسط ونسج علاقات مع جميع دول المنطقة، وهو الأمر الذي تبلور بوضوح مع وصول بوتين إلى سدة حكم روسيا مطلع الالفية الجديدة.

ركزت روسيا في علاقاتها مع إسرائيل على نسج علاقات اقتصادية وعسكرية متبادلة، فارتفعت التجارة الثنائية بين البلدين ما بين عامي ١٩٩٢ و١٩٩٥ من ١٢٣ مليون دولار إلى ٨٦٧ مليون دولار، بينما تجاوزت ٣ مليار في العام ٢٠١٦. كما وقع البلدان عشرات الاتفاقيات العسكرية والأمنية، ورصدت العديد من الزيارات المتبادلة بين البلدين. وتهتم روسيا بإسرائيل بشكل خاص، بسبب وجود حوالي مليون روسي كانوا قد هاجروا إلى إسرائيل بدءاً من تسعينيات القرن الماضي.
تاريخياً، ورغم دعم الاتحاد السوفيتي لقيادة الحركة الصهيونية، على أمل ميلها سياسياً تجاهلها ضد الغرب، فدعمت قرار التقسيم، وانتقدت تحرك الدول العربية لنجدة الفلسطينيين، واعترفت بإسرائيل رسمياً في الأمم المتحدة، مالت إسرائيل بقوة تجاه الولايات المتحدة. قطع الاتحاد السوفيتي علاقته مع إسرائيل عام ١٩٦٧، واعتبرها حصن الغرب في الشرق الأوسط، وبات حليفاً للعرب في مواجه الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة. في المقابل، اتخذ الاتحاد السوفيتي سورية حليفاً مقرباً منذ سبعينيات القرن الماضي، وهي التي بقيت حائط سد أمام التمدد الغربي في الشرق الأوسط منذ ذلك الوقت حتى اليوم. ووقفت روسيا بقوة لحماية نظام بشار الأسد بعد انفجار الثورة السورية، ورسخت وجودها في سورية من خلال قاعدتها العسكرية الوحيدة على البحر المتوسط  في ميناء طرطوس.

كما دعم الاتحاد السوفييتي ومن بعده روسيا إيران منذ العام ١٩٨٩، وكان له دور مهم في تطور برنامجها النووي منذ تسعينيات القرن الماضي. وعارضت روسيا صدور أي قرار يدين إيران من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأجهضت العديد من مشاريع القرارات في مجلس الامن التي طالبت بفرض عقوبات عليها، وكانت من أهم مناصري توقيع الاتفاق النووي لعام ٢٠١٥. وساندت روسيا نظام صدام حسين المعادي لإسرائيل والولايات المتحدة، كما تدعم الموقف التحرري الفلسطيني، وترفض تصنيف حركة حماس أو حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية أو حزب الله اللبناني كجماعات “إرهابية” مثل إسرائيل والولايات المتحدة.
تبقى العلاقات الروسية الإسرائيلية الإيجابية مصلحة مهمة للبلدين، ليس فقط في إطار الملف السوري بل والأوكراني أيضاً. وتبقى إسرائيل مهمة لروسيا خصوصاً الآن في ظل تفاقم العلاقات الروسية الأميركية الغربية، وبقاء الحاجة إلى الوساطة الإسرائيلية، حتى وإن كانت وساطة شكلية.

كما تبقى الحاجة ملحة لإسرائيل ببقاء التنسيق مع روسيا في إطار الملف السوري، اذ إن روسيا تستطيع أن تجعل تحرك إسرائيل في سورية أمراً مكلفاً.  فعلى الرغم من أن القوة العسكرية الروسية في سورية قوة محدودة، مقارنة بالقوة العسكرية الإسرائيلية، وليست موجودة لخوض حرب فيها عن أي طرف، الا أنها تستطيع أن تغير شروط اللعبة في الساحة السورية، ومنح إيران وحزب الله مساحات أوسع للحركة، فالوجود الروسي جاء في سورية في الأساس لدعم بقاء النظام السوري عسكرياً وأمنياً والتصدي لأي أخطار قد تواجهه، ولن تخاطر روسيا بخسارة حليفها التاريخي المتمثل بنظام الأسد. وكل ما تشهده الساحة السورية اليوم من تطورات عسكرية ميدانية ما هو الا انعكاس لتطور مشهد الحرب السورية الأوكرانية، ومساعي الطرفين للحفاظ على التفاهمات الأمنية بينهما، حتى لا تدخل العلاقات في مرحلة تأزم تشكل عواقبها خسائر للبلدين.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى