هل سيشكل البرغوثي والسنوار ثنائي الإنقاذ؟
د. عماد بوظو

شهدت الساحة الفلسطينية خلال الأشهر الماضية الكثير من الأحداث التي أكّدت على أن استمرار الوضع الفلسطيني على حاله لم يعد مقبولا، أولها إلغاء السلطة للإنتخابات التي كانت مقررة هذا العام رغم مرور ستة عشر عاما على آخر انتخابات فلسطينية، إلى إعلان القاهرة قبل أيام عن تأجيل الحوار الفلسطيني إلى أجل غير مسمّى، بعد جلسات غير ناجحة في فبراير ومارس الماضي أي استمرار حالة الانقسام الفلسطيني، وقالت بعض وسائل الإعلام أن سبب هذا التأجيل إصرار ممثلي حماس على إضافة شروط جديدة مثل حضور محمود عباس شخصيا للحوار وضم ثلاثة منظمات إسلامية صغيرة لهذه الجلسات “لأن ما بعد حرب غزة ليس كما قبلها”، كما صرّح بعض قادة حماس مستندين على ادعاءات النصر في تلك الحرب.

ولكن موقف حماس هذا لا ينسجم مع إنطباع البراغماتية الذي تركه يحيى السنوار قائد الحركة في غزة خلال الفترة الماضية، مثل تأكيده على ضرورة بناء علاقة جيدة مع حركة فتح وتوجيهه التحية عدة مرات لـ”أبو عمار” مع التأكيد على دوره في قيادة العمل الفلسطيني بما يختلف عن الخطاب التقليدي لبعض قادة حماس الذين اتهموه بالخيانة بعد توقيعه اتفاق أوسلو، أو قوله أنه لا يوجد ما يمنع من موافقة حركة حماس على “هدنة” مع إسرائيل تستمر للجيل الحالي وربما الجيل الذي يليه إذا كان سيترتب على ذلك تحسّن في ظروف حياة الفلسطينيين وهذا الطرح يختلف عن طروحات التنظيمات الإسلامية التي لا تكترث عادة لحياة الإنسان الفلسطيني ومعاناته.

وتأكدت هذه البراغماتية عند السماح بإدخال المساعدات إلى غزة من دون أن يكون ذلك بالضرورة عبر حركة حماس وبغضّ النظر عن الجهة المسؤولة عن توزيعها طالما أنها ستصل إلى الفلسطينيين، مما أدّى إلى تحسين العلاقات مع مصر وإدخال قوافل كبيرة من المساعدات عبرها والاستقبال الحار للوفود المصرية وانتشار صور الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ربما لأول مرة في شوارع غزة، وعبر البوابة المصرية من الممكن تحسين علاقة حماس مع محور الاعتدال العربي الذي اعتاد قادة الحركة التقليديين على مهاجمته.

واستند السنوار في طروحاته الجريئة هذه على تاريخه، فقد قضى 22 عاما في السجون الإسرائيلية حتى أطلق سراحه في صفقة شاليط عام 2011، وخلال الأسابيع الماضية إرتفعت شعبيته كثيرا في الأوساط الفلسطينية على حساب القادة الآخرين مثل، إسماعيل هنية، الذي لم يكن موفّقا في خطابه الذي ألقاه أثناء حرب غزة من جناحه في أحد الفنادق الفاخرة في قطر وكانت ملامح النعمة والرفاهية واضحة على وجهه بينما كان السنوار يتجول في القطاع ووجهة ومظهره يعكس المعاناة التي يعيشها كل سكان القطاع، كما أن هنية كان يقدم نفسه غالبا كرجل دين يلقي خطاباته من على منبر المسجد بينما يقدم السنوار نفسه كمناضل وطني، كما تحوّلت خطابات خالد مشعل إلى تكرار محفوظ عن ظهر قلب للمواقف الصفرية “إما نحن أو هم” والتي لا تأبه لمعاناة الفلسطينيين في الضفة وغزة ولا تنسجم مع توازن القوى، وربما لعبت تلك القيادات تحديدا دورا في إفشال لقاء القاهرة الأخير.

وفي المقابل لم يكن وضع قادة فتح والسلطة الفلسطينية أفضل حالا فمن الصعب أن يتذكر الفلسطينيون أي إنجاز لمحمود عباس خلال فترة حكمه الطويلة التي تجاوزت الستة عشر عاما بما يمكن أن يذكّر بحقبة بريجينيف في الاتحاد السوفييتي، وكان قراره بإلغاء الانتخابات تأكيدا على قناعته بصعوبة الفوز فيها، بالإضافة إلى اتهامات الفساد التي تحوم حول السلطة الفلسطينية خصوصا بعد ما قالته مؤخرا السيدة سهى الطويل زوجة ياسر عرفات ردا على ما رأت فيه تهديدا لأفراد عائلتها بأنها ستفتح أبواب جهنم على السلطة الفلسطينية، “يكفي أن أنشر القليل مما أعرفه وسأحرقهم أمام الفلسطينيين، ومن يتهموننا بالفساد لديهم حسابات في بنما والجزر العذراء وهم يعرفون أنفسهم”.

أي أن وضع السلطة الفلسطينية قد أصبح في أسوأ حالاته ولم يعد بالإمكان تجاهل الحاجة إلى قيادة جديدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وترافق وضع السلطة البائس مع الحديث عن ترتيبات يجري إعدادها بوساطة مصرية لتبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل والذي قد يتضمن إطلاق سراح مروان البرغوثي القيادي الفتحاوي الذي تشبه حياته وتاريخه حياة يحيى السنوار فقد قضى في السجون الإسرائيلية سنوات مماثلة وله شعبية واسعة وسمعة حسنة، وإذا كانت أولويات حماس وطنية وبعيدة عن الحزبية الضيقة وإذا كانت مواقف السنوار حقيقية وتعكس موقف الكثير من قادة وكوادر حماس فبالإمكان إثبات ذلك عبر المطالبة بإطلاق سراحه في هذه الصفقة، وإن تحقق ذلك فإن الكرة ستصبح عند الرئيس عباس، وهل سيجد طريقة مناسبة لإفساح المجال أمامه للعمل على أمل أن يتمكن الثنائي البرغوثي والسنوار من تدشين مرحلة جديدة في العمل الفلسطيني.

ومن أسباب التفاؤل بأن مروان البرغوثي يمثل خطا معتدلا في موضوع السلام تحالفه مع ناصر القدوة في الانتخابات الأخيرة التي ألغاها محمود عباس، والقدوة دبلوماسي وسياسي مخضرم وهو إبن أخت ياسر عرفات ولديه الخبرة والإمكانية لمخاطبة العالم باللغة التي يفهمها والدخول في مفاوضات الحل السياسي، ولكن ذلك لن يكون ممكنا من دون الإستناد إلى قيادة حقيقية تحظى بتأييد شعبي واسع وتشعر بالمسؤولية تجاه شعبها وتبحث عن أفضل الحلول الممكنة لإنهاء معاناته، بعكس القيادات الضعيفة التي تجد في مجاراة المزاج الشعبي أسهل طريق للبقاء في السلطة.

ولهذه القيادة ضرورة استثنائية في المرحلة الحالية لأن الظروف الدولية والإقليمية تدفع بإتجاه مفاوضات فلسطينية إسرائيلية تستند على حل الدولتين أولها وجود إدارة بايدن التي تسعى بإتجاه هذا الحل والتي اتخذت خطوات إيجابية عديدة مع الفلسطينيين كان آخرها تقديم مساعدات لإعادة إعمار غزة، بالإضافة إلى كلامها عن إعادة افتتاح القنصلية العامة في القدس الشرقية للتواصل مع السلطة الفلسطينية، مع نضوج موقف أوروبي في نفس الاتجاه، وأخيرا تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة بتحالف بين اليسار واليمين والتي قد تتبنى سياسات أكثر واقعية في موضوع السلام.

وفوق كل ذلك هناك الموقف الإقليمي الجديد المتمثل في الدول العربية التي أقامت علاقات سياسية واقتصادية مع إسرائيل والتي تضغط كذلك باتجاه إيجاد حل للموضوع الفلسطيني يسمح لها بتوسيع تعاونها الإقتصادي والعلمي مع إسرائيل لما فيه من آثار إيجابية عليها، والأهم من ذلك الدول التي تسعى إلى الانضمام إلى قائمة الدول التي تقيم علاقات مع إسرائيل لأن مصلحتها تقتضي ذلك ولكن استمرار الصراع يحرجها مثل السعودية والتي يعتبر سيرها نحو السلام نقطة انعطاف تاريخية.

ومن المعروف في قضايا بهذا التعقيد أن المفاوضات ستكون شاقة وأن أيا من الطرفين لن يحصل على كل ما يريده ولكن ضرورة الخروج من الواقع الحالي أصبحت محل إجماع دولي وإقليمي، والعالم سيضع اللوم على الطرف الذي سيعمل على عرقلة جهود السلام، وعلى المستوى الفلسطيني من الصعب الاستفادة من هذا المناخ الإيجابي مع القيادة الحالية التي لا تملك التفويض الشعبي الذي يسمح لها بعقد اتفاق سلام حقيقي طويل المدى، وفي كل الأحوال فإن الأسابيع والأشهر القليلة القادمة ستظهر إن كانت القيادات الفلسطينية ستتمكن من الاستفادة من هذا الموقف الدولي والإقليمي أم أن فرصة سلام جديدة ستتم إضاعتها لمصلحة البقاء في عالم الشعارات الغير قابلة للتحقيق كما حدث مرات عديدة خلال العقود الماضية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى