هل فشلت ثورات الربيع العربي؟

محمد عايش

ليس صحيحاً أن ثورات الربيع العربي فشلت، وليس صحيحاً أن الثورات المضادة الممولة من أنظمة عربية رجعية ومستبدة، نجحت، وليس صحيحاً أن السنوات العشر الماضية كانت عجافا، رغم كل ما مرَّ بها من مآسي ومصائب وكوارث، لكن الحقيقة الوحيدة الصحيحة هي، أن مشوار التحرر طويل ومكلف، ومعبد بالأشواك لكنه ضروري لضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
بعد عشر سنوات على اندلاع ثورات الربيع العربي التي بدأت في تونس، يتجدد الجدل في أوساط العديد من النخب العربية حول جدوى تلك الثورات ومآلاتها ونتائجها، والواضح أن أغلب وسائل الإعلام المحسوبة على معسكر الثورة المضادة انشغلت، وتنشغل كل عام في هذا الوقت من السنة في استعراض المصائب التي تسبب بها انتفاض الشارع العربي في وجه الاستبداد، وتحاول دفع الناس إلى الندم والإيحاء لهم بأن ما حدث لم يكن سوى ثورات فاشلة انتهت إلى نتائج أسوأ من الأحوال التي كانت بلداننا العربية عليها قبل اندلاع الثورات، أي قبل عام 2010.
والحقيقة أن المراجعة دوماً مهمة، خاصة بالنسبة للأحداث التاريخية الفاصلة والمحطات الفارقة، ويتوجب بالفعل تسليط الضوء على بعض محطات الفشل، فلا يوجد مثلاً ما يمنع من مراجعة تجربة الإخوان في مصر والاعتراف بفشلها، كما لا يوجد ما يمنع من الاعتراف بأن أغلب حسابات المعارضين السوريين كانت خاطئة، ولكن ما يقوم به إعلام «الثورة المضادة» في نهاية كل سنة بالتزامن مع ذكرى اندلاع ثورة تونس، ليس سوى «كلمة حق يُراد بها باطل» وأحياناً يكون كلاماً باطلاً وكاذباً في الأصل ولا يُراد منه سوى الباطل. ما حدث خلال السنوات العشر الماضية أن الشعوب العربية مارست حقها الطبيعي بالاحتجاج والمطالبة بالتغيير، ونزلت إلى الشارع بعد عقود من الهدوء والسكوت والقبول بالاستبداد، وكانت ثورات الربيع العربي جميعها سلمية ونقية وصافية، وتطالب بالتغيير، بل كانت متسامحة أيضاً مع النظام المستبد، الذي ثارت عليه بدليل أن حزب المخلوع زين العابدين بن علي ورجاله، ممثلون اليوم في برلمان تونس الذي يرأسه الشيخ راشد الغنوشي، الذي ظل لعقود طويلة منفياً من بلده ممنوعاً من زيارتها، فاذا به عندما أصبح في السلطة لم يسلك السلوك نفسه، مع من كانوا بالأمس في السلطة وطردوه من بلده. أما الصراعات التي نشبت في دول الربيع العربي بعد انهيار أنظمتها، فتتحمل مسؤوليتها فلول الأنظمة المنهارة بالدرجة الأولى، التي جنحت إلى تشكيل ميليشيات لتخريب الإنجاز الثوري الشعبي، كما أن الدول الراعية للثورات المضادة تتحمل مسؤولية أساسية هي الأخرى، بعد أن ضخت مليارات الدولارات من أجل خلق تمردات عسكرية وتوترات تهدف لتخريب الثورات، وشكلت جيوشاً إلكترونية تعمل على مدار الساعة على التحريض من خلال الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.

لا يمكن توجيه اللوم لشخص يمارس حقه الطبيعي في المطالبة بالتغيير، والمشاركة السياسية في بلده، وإنما اللوم كل اللوم على الذين مولوا الثورات المضادة، وضخوا المليارات في أيدي ميليشيات تخريب، ووسائل إعلام مشبوهة وجيوش إلكترونية جرارة، تقوم بنشر رأي عام مزور وتبث سموماً وأكاذيب، وتفبرك أخباراً لا أساس لها من الصحة والهدف فقط هو قمع الشعوب المطالبة بالحرية والديمقراطية والمشاركة السياسية.
لكن السؤال المهم الذي يبقى مفتوحاً هو: هل فشلت ثورات التحرر العربية؟ وهل العبودية والقمع والاستبداد هي القدر المكتوب على شعوبنا؟ والجواب على هذا السؤال أن ثورات التحرر لم تفشل، والثورات المضادة لم تنجح، وأن من الطبيعي أن يكون المخاضُ طويلاً، وأن يحتاج مشوار التحرر إلى سنوات، فمن يظن أن تغيير دولة بأكملها، يمكن أن يحدث في أيام قليلة فهو واهم، ومن يظن أن ثلاثة عقود من الاستبداد يمكن أن تنتهي بمجرد إجراء انتخابات فهو واهم، إنما هي طريق طويل.. وبالمناسبة فالثورة الفرنسية استمرت 10 سنوات، والثورة الأمريكية استمرت 18 عاماً، والأمثلة التاريخية على ثورات التحرر كثيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى