هل فقد العالم ثقته بالمنظمات الدولية خلال أزمة كورونا؟
شيرين الخطيب

تشهد بشكل يومي العديد من التفسيرات والتأويلات لبعض الأحداث، باعتبارها تداعيات ناتجة عن الأزمة التي يمر بها العالم والتي أصبحت تعرف بأزمة كورونا. وقد بات مشتركا في فكر الجميع أن لهذه الأزمة تأثير على جميع المستويات، محلية كانت أم إقليمية أم دولية، فيما يخص كافة نواحي الحياة، وكيف ستلعب هذه الأزمة دورا مفصليا سيؤدي للتأريخ باسمها، حيث سيتغير العالم حتما إلى ما بعد كورونا وما قبلها. إلا أن من أهم ما آلت إليه الأوضاع الحالية خلال الأزمة الراهنة، هو فقدان الثقة –إلى حد ما- في المؤسسات والمنظمات الدولية وصولا لتهميشها، الأمر الذي يعزز احتمالية مواجهتها لتحديات مستقبلية ناتجة عن التشكيك في مدى مقدرتها على الاستمرار بتأدية دورها بفعالية ودون انحياز.

وتسلط المقالة الضوء على مؤسستين تعتبران من المؤسسات الأساسية في إدارة الأزمة الحالية هما: منظمة الصحة العالمية، وصندوق النقد الدولي.

تأسست منظمة الصحة العالمية عام 1948 بعضوية 51 دولة، وهي جميع أعضاء الأمم المتحدة وقتها، وتضم حاليا جميع أعضاء الأمم المتحدة. وتعتمد في تمويلها على مساهمات الدول الأعضاء فيها. كانت الولايات المتحدة ولا تزال أكثر الدول تمويلا للمنظمة من بين جميع الأعضاء الممولين، في حين احتلت الصين منذ العام 2019 المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة. حيث قدمت أمريكا 452 مليون دولار للمنظمة، بنسبة (15%) العام الماضي، في حين قدمت الصين 40 مليونا فقط.

وللمنظمة دور هام في مجال الصحة العالمية، يتحدد وفقا للدستور التأسيسي للمنظمة ولائحتها التنفيذية في تنمية الوعي الصحي، والحفاظ على سلامة العالم، وخدمة القطاعات الأكثر ضعفا. وتهدف المنظمة ضمان حصول أكثر من مليار شخص من الفقراء حول العالم على مظلة صحية، وحماية مليار آخرين في حالة الطوارئ الصحية، وتوفير تأمين صحي أفضل لميار ثالث. كما وتهدف أيضا للتركيز على الرعاية الصحية الأساسية بغرض تحسين فرص توفرها بشكل عادل للجميع، وتحسين مراقبة البيانات والمعلومات.

ومنذ بداية انتشار فايروس كورونا، قدمت المنظمة المعلومات الدقيقة لدحض الخرافات والمعلومات المغلوطة الكاذبة والمضللة، وعملت على بث الرسائل الإيجابية وطمأنة الناس حول المقدرة على السيطرة على الوباء، وساعدت الدول على الاستعداد والاستجابة الاستراتيجية التي تحدد الإجراءات الرئيسية التي يتعين على الدول اتخاذها والموارد اللازمة لتنفيذها. أنشأت المنظمة صندوق الاستجابة للتضامن من أجل مكافحة الفايروس، لضمان حصول المرضى على الرعاية التي يحتاجونها. وعملت على توفير الإمدادات الحيوية مثل معدات الحماية الشخصية، لضمان قدرة المهنيين الصحيين على إنقاذ الأرواح. وحتى الآن قامت المنظمة بشحن أكثر من مليوني قطعة من معدات الحماية الشخصية إلى 133 دولة، وتستعد لشحن مليوني قطعة أخرى في الأسابيع القادمة، كما أرسلت أكثر من مليون اختبار تشخيصي إلى 126 دولة. كما وعملت على تدريب وتعبئة العاملين الصحيين عبر منصتها OpenWho، ولا زالت جهودها مستمر في البحث عن اللقاح.

إلا أن منظمة الصحة العالمية تواجه انتقادات مكثفة نتيجة لتعاملها مع فايروس كورونا المستجد في العالم. حيث تُتهم بتركيز اهتمامها على الصين، وأنها كانت ودودة أكثر من اللازم في تعاملها مع بكين، وفي مديحها لأداء الحكومة الصينية بداية انتشار المرض فيها، علما أن الصين ذاتها، التي انتشر فيها وباء سارس عام 2002 تعرضت لاتهامات بالتستر على انتشار الوباء وإخفاء المعلومات الخاصة به حتى انتشاره في أكثر من 20 دولة آنذاك، وربما كان السبب في عدم تكرار الموقف، ما يشهده العالم من تطور تكنولوجي وسرعة انتشار الأخبار والمعلومات عبر الشبكة العنكبوتية.

وقد هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض بتعليق دفع المساهمة الأمريكية في ميزانية منظمة الصحة العالمية، مندداً بطريقة إدارة المنظمة الأممية للتصدي لوباء كورونا، قبل أن يتدارك حديثه بالقول، إنه يعتزم “درس هذه الإمكانية”. وتنتقد الولايات المتحدة على وجه الخصوص توصية المنظمة الخاطئة بترك الحدود مفتوحة مع الصين في بداية انتشار الفايروس.

يؤخذ على المنظمة التأخر في إطلاق التحذير بإعلان حالة الطوارئ، وتقليلها من حجم التهديد الذي يشكله الفايروس حول العالم حيث أعلنت منتصف كانون ثاني الماضي أنه لا أدلة على انتقال الفايروس بين البشر. ويوجه لها اللوم من جهة أخرى في تأخر إعلان الفايروس وباء عالميا حتى إعلان الصين انتصارها عليه، حيث جاء إعلان المنظمة في اليوم التالي مباشرة.

من جانب آخر وفيما يخص صندوق النقد الدولي وسياسته التمييزية، فقد وافق الصندوق على منح تونس قرضاً طارئاً بقيمة 745 مليون دولار في ظل التوقع بانكماش الاقتصاد التونسي خلال العام الجاري، في أسوأ انكماش له منذ العام 1956. ولكنه وفي ظل توالي الأزمات التي تحاصر الإيرانيين، وعلى الأخص الاقتصادية منها والناتجة عن استمرار العقوبات الأمريكية، فقد رفض صندوق النقد الدولي طلباً من البنك المركزي الإيراني بتاريخ 12 مارس للحصول على تسهيلات مالية بقيمة 5 مليارات دولار لمكافحة تفشي وباء كورونا، على الرغم من أن إيران هي أحد أعضاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وقد أعلن ممثل إيران في صندوق النقد الدولي أن البنك الدولي لم يوجه دعوة إلى إيران للمشاركة في الاجتماع المشترك مع صندوق النقد الدولي المخصص لمواجهة فايروس كورونا. كما ورفض صندوق النقد الدولي تلبية طلب الحكومة الفنزويلية منحها قرضا قدره 5 مليارات دولار للمساعدة في مكافحة فايروس كوفيد 19 بذريعة عدم الاعتراف بسلطة الرئيس نيكولاس مادورو الدولية. ويظهر مما سبق أن رفض صندوق النقد تقديم المساعدة لهذه الدول قد يكون معياراً لتقييم ادعاءاته حول تقديم المساعدة للدول للسيطرة على كورونا.

تأسست مجموعة البنك الدولي (WBG) وصندوق النقد الدولي (IMF) في مؤتمر “بريتون وودز” في عام 1944، ولهما رسالة تكمل بعضهما البعض، حيث تعمل مجموعة البنك الدولي مع الدول النامية للحد من الفقر والعمل على تعزيز الرخاء المشترك، وهي من بين أكبر مصادر التمويل للبلدان النامية عالميا. كما ويقدم التمويل والمشورة للحكومات، ويعمل على تدعيم القطاع الخاص في البلدان النامية. أما صندوق النقد الدولي فيحافظ على استقرار النظام النقدي الدولي، ويرصد حركة العملات في العالم ويتتبع الاقتصاد على الصعيد العالمي ولدى الدول الأعضاء.

ان سياسة العمل في منظمة الصحة العالمية، وتحقيق أهدافها تظل رهينة التجاذبات السياسية بين الدول الكبرى، شأنها في ذلك شأن جميع مؤسسات الأمم المتحدة، حيث أن القرار الفعلي يظل بيد كل دولة على حدة، حتى في القضايا الصحية مثل الأوبئة والفيروسات كما ظهر في انتشار فيروس كورونا، ما يجعل دور المنظمة محل تشكيك من جانب الكثيرين، ويحتاج لإعادة نظر شاملة، على الأخص بعد تفشي فيروس كورونا بشكل مريع في العالم وعدم المقدرة على إيجاد اللقاح له.

لقد وجدت هذه المؤسسات من منطلق اهتمامها بحقوق الإنسان التي تعرضت للانتهاكات في النزاعات المسلحة، وهدفها الحفاظ على سلامة المجتمع الدولي ككل، وإذا لم تلبي هذه المؤسسات حاجة الدول الأعضاء خلال أزمة كالأزمة الراهنة فمتى يفترض أن يتم ذلك؟ هذا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن التعاون الدولي خلال انتشار الأوبئة وفي حالة وقوع الكوارث الطبيعية هو واجب من واجبات الدول في القانون الدولي، ولا تُستثنى من ذلك المؤسسات الدولية التي يتوجب عليها القيام بواجباتها القانونية تجاه الدول وعدم التمييز بين أعضائها.

لا زالت المؤسسات الدولية وهي فواعل غير دولية تتمتع بحضور قوي في النظام الدولي، فالمحرك لهذه المنظمات هي الدول الأكثر قوة في العالم، ويمكنها التأثير في موازين القوى العالمية بقوة إن هي أرادت ذلك.

وفي الوقت الذي يتوقع العالم صعودا للصين في النظام الدولي- وبصرف النظر عن موقف الصين حيال ذلك- يمكن للإجراءات المتخذة من منظمة دولية تجاه الصين-على سبيل المثال لا الحصر- أن تساعد على الاقتراب من تحقيق ذلك، كما يمكن لممارسة صندوق النقد الدولي حيال إيران أو غيرها أن تزيد من الضغوط على اقتصاداتها المُنهكة أصلا لوقت أطول مما كان يجب أن يستمر، ومن شأن مثل تلك الممارسات-إن استمرت- أن تؤدي لفقدان ثقة الدول والشعوب فيها شيئا فشيئا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى