هل مات صائب عريقات حقاً
سامر خير أحمد

السياسي – في رحيل القيادي الفلسطيني البارز، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس دائرة شؤون المفاوضات فيها، والوزير لأكثر من وزارة في السلطة الوطنية الفلسطينية، صائب عريقات، من الجيد أن نستذكر خبرة إنسانية مهمة عايشها قبل ثلاث سنوات، حين خضع لعملية جراحية لزراعة الرئة، توقف قلبه في أثنائها عن العمل ثلاث دقائق وعشرين ثانية، ما دفع الفريق الطبي يومها إلى التدخل بإجراء عملية قلب مفتوح إضافية لإنقاذ حياته. وقد تحدّث عريقات بعدها عن مروره بتجربة الاقتراب من الموت خلال تلك الدقائق، وفيها يحسّ المرء أنه غادر الحياة فعلاً، ثم عاد إليها بعد زيارته العالم الميتافيزيقي.

يشترك من عايشوا “تجارب الاقتراب من الموت”، نتيجة حادث أو مرض أو عملية جراحية، برواية أحداثٍ متشابهةٍ إلى حد كبير، فهم جميعاً يحسّون أنهم غادروا أجسادهم، وراحوا ينظرون إليها من علٍ، وباتوا أخفّ وزناً، ثم صاروا يسمعون أحاديث من كان حولهم في المكان الذي كانت فيه أجسادهم، بل وأحاديث أشخاص آخرين بعيدين عن ذلك المكان، يلي ذلك أنهم يواصلون الارتفاع، حتى يروا كوكب الأرض من مكان مرتفع، بعدها يدخلون في نفقٍ مظلمٍ يعبرونه بسرعة، حتى يصلوا إلى ضوء نوراني في آخره. وفي تلك الأثناء، يرون مشاهد من مراحل حياتهم المتلاحقة؛ من طفولتهم وشبابهم وكهولتهم، تنتابهم خلالها المشاعر نفسها التي أحسّوها يوم وقعت تلك الأحداث، بل تتوسع مداركهم ليشعروا بما أحسّه الآخرون الذين شاركوهم تلك الأحداث، فيفهموا ردود أفعالهم ومشاعرهم؛ سعادة أو ألماً، وحين يبلغون الكائن النوراني في آخر النفق، فإنه يغمرهم بمحبة غير مسبوقة إلى درجة أنهم لا يودّون بعدها العودة إلى الحياة الدنيا.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

أما غير المتشابه في روايات من مرّوا بتجارب الاقتراب من الموت، فإن كل واحد منهم قد يتحدث عمّا يتطابق مع ثقافته أو قناعته الدينية، فالمسلم ربما يرى مسجداً في مكان جميل يجد نفسه فيه ويعتقد أنه الجنة، والمسيحي ربما يسمع ترانيم دينية، وهكذا. وهذه الفروق هي التي تدفع منكري القول إن هذه التجارب تروي أحداثاً حقيقية، للقول إنها مجرد ذكريات أو خيالات يعيشها المرء.

في المجتمع الطبي، ثمّة من يرون أن هذه التجارب حقيقية فعلاً، وأنها تؤكد وجود عالم ميتافيزيقي ينتقل إليه الميت، أبرزهم الطبيب النفسي الأميركي، رايموند مودي، صاحب كتاب “الحياة بعد الحياة” الصادر عام 1975، ونقل فيه تجارب عدد ممن مرّوا بتجربة الاقتراب من الموت. لكن أكثرية المجتمع الطبي يرون أن لمثل تلك التجارب تفسيرا ماديا، إذ يعتقدون أنها تحدث بسبب انخفاض الأكسجين الواصل إلى الدماغ، ما يؤدي إلى حدوث اختلال كيميائي بين فصّيه الأيمن والأيسر، ولهذا يرى المرء أنه يعبر نفقاً مظلماً. والحال الذي يذهبون إليه أن هذه التجارب لا تؤكد وجود عالم ميتافيزيقي من عدمه، لأن الإنسان الذي يعيشها لا يذهب إلى الموت، وإنما يعيش اللحظات التي تسبق الموت لا أكثر، قبل أن يستعيد الحياة.

قال كثيرون ممن رووا مرورهم بهذه التجارب إن الكائن النوراني الذي يلاقيهم في آخر النفق يسألهم عن المحبة: “هل كنت محباً للآخرين؟”، وربما يقول لهم إنهم كانوا أناساً طيبين ومحبين للآخرين. ثمّة منهم من يجري تخييرهم بين العودة إلى الحياة من عدمها، فيختارون العودة لرعاية أطفالهم أو أداء واجباتهم. وثمّة من يُقال لهم إن عليهم العودة، لأن ساعتهم لم تحن بعد، حتى لو اختاروا البقاء “هناك”.

في تجربة صائب عريقات، التي رواها عبر شاشة التلفزيون، وبدا مصدّقاً تماماً أنها تجربة في عالم آخر؛ ميتافيريقي، تؤكد أن ثمّة حياة بعد الموت، أضاف إنهم “هناك” طلبوا منه أن لا يروي تفاصيل جرت معه، وشدّد غير مرة أمام المذيع الذي كان يحاول استنطاقه حول التفاصيل المتعلقة بعودته إلى الحياة، أنه لا يستطيع أن يجيب، لأن هذه أمور “ليس فيها لعب”.

اليوم، وقد رحل صائب عريقات عن الحياة الدنيا، فإنه يكون أعاد التجربة نفسها مرّة أخرى، بل ذهب إلى ما هو أبعد منها، لأنه هذه المرة لن يعود إلى الحياة، ولعله الآن في المكان الذي نصح من يستمعون إليه بالتيقّن من وجوده، وهو الحياة الآخرة بعد الموت. إنه بهذا المنطق لم يمت، وإنما انتقل إلى مكان آخر أفضل وأكثر سلاماً ومحبة.

عربٌ كثيرون، وكاتب هذه السطور منهم، لا يؤيدون الصيغة التفاوضية الذي انتهجتها منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل، وكان الراحل صائب عريقات أحد أبرز وجوهها منذ مشاركته في الوفد التفاوضي الأول في مؤتمر مدريد للسلام أواخر 1991، وصولاً إلى قيادته المفاوضات. ولكن هذا لا يتعارض مع تقدير الجانب الإنساني الطيّب الذي تميزت به شخصيته في أثناء حياته الحافلة بالعطاء ومحبة الناس، ولا مع التسليم بوطنيته العميقة وسعيه إلى نيل الحقوق الفلسطينية بالطريقة التي كان يرى أنها الممكنة في هذه الظروف الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون خصوصاً، والعرب بشكل عام، وفي ظل موازين دولية غير عادلة وشروط إقليمية غير مواتية. ولعل في استذكار تجربة الاقتراب من الموت التي عاشها، ورواها للناس ناصحاً، ما يمثل تحية لروحه الطيبة. يرحمه الله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى