هل من وصفة للسلام في ليبيا؟
المهدي مبروك

تتسارع التطورات في ليبيا بما ينذر باندلاع حربٍ ضروسٍ بين الفرقاء الليبيين، وتحديدا بين مخيمين كبيرين، الجنرال المتمرّد خليفة حفتر وحكومة الوفاق برئاسة فايز السراج المعترف بها دوليا، تصطف وراءهما مناطق وقبائل وجماعات مقاتلة، فضلا عن قوى إقليمية لا تخفي هذا الدعم. ومن الإجحاف العلمي اختزال فهم اشتعال الحريق الليبي إلى مجرّد “تدخل قوى إقليمية”، عجز الليبيون عن التعامل معه منذ نحو عقد، ذلك أن ليبيا، مثل سورية واليمن، تقدّم مثالا ساطعا عن الشرخ الاجتماعي والسياسي المركّب الذي شجّ المجتمع أفقيا، بشكل خطير، ما أشاع مناخا ملائما تعشّش فيه التأثيرات والضغوط الإقليمية.
كانت ليبيا، في تجربة بنائها الوطني، مهيأة لأن تشهد هذا المصير. ومن يطلع على الدراسات الرصينة التي تناولت ليبيا قبل ثورة فبراير 2011 سيقف على تلك المخاطر التي كانت تهدّد الاجتماع السياسي الليبي. ربط الزعامة بالقبيلة وشراء الولاء السياسي على قاعدة الريع النفطي، وإهمال البناء الوطني إيجاد هوية جامعة، عوامل كانت تنذر بالانتفاضات التي تؤول إلى فوضى قاتلة. وحالة التفكك الحالي بين “المناطق الليبية الكبرى الثلاث”، فضلاً عن صعود القبيلة ملاذاً حصيناً للهويات والأمن الاجتماعي، الفردي والجماعي، يؤكد مرة أخرى أن البناء الوطني، فضلاً عن فترته القصيرة، لم يكن على أسس متينة، وأن الشروخ الحالية في الجسد  الاجتماعي الليبي ليست إلا إعادة إنتاج لتلك الشروخ القديمة بالمعنى الأنتروبولوجي. وكان يفترض في الدولة الليبية الحديثة أن تتقن رتق تلك الشقوق، حتى تنسج التماسك الوطني في مثل هذه الأزمات، ولكن العكس تماما هو ما حدث.
لا يحاصر خليفة حفتر طرابلس بوصفها جهة سياسية فحسب، بل منطقة سيطرت على “الغنيمة”، واستأثرت بالدولة الوطنية. وحين تهرع مناطق الغرب الليبي لنجدة طرابلس فهي لا تسند فايز السراج الذي لا يملك شرعية ومشروعية سميكة بالمعنى السياسي، بل تفعل ذلك على قاعدة رفض هيمنة الشرق على طرابلس والغرب الليبي، لأسباب أنتروبولوجية طويلة، تحكّمت في تاريخ ما سيطلق عليها لاحقا “الدولة الليبية”. كان البناء هشّا وسطحيا، حيث لا وجود لطبقات انتماء ليبي عميق بالمعنى السياسي للدولة الوطنية. ويبرّر هذا الذي حدث في مجرى التاريخ المعاصر كل ما يجري حاليا.
وقد كان تدويل الصراع في ليبيا منذ تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حين عجزت القوى الثورية عن حسم الصراع لفائدتها، ولكن هذا التدخل ظل يتعاظم مع انكسارات موجات الربيع العربي في كل من مصر وسورية، واصطفاف الإمارات والسعودية ومصر وراء القوات السياسية والاجتماعية المعادية لتطلعات الشعوب. جاهرت دول بهذه التوجهات، واستغلت تلك الارتدادات الحاصلة من أجل إجهاض الثورات تلك، والاستحواذ عليها بما يدعم مشاريع  الاستبداد والفوضى.
ولم تكن حكومة السراج إخراجا سياسيا جدّيا في ظل ما عرفه مخيم قوى الثورة من انقسامات حادة تقاتلت فيه بشراسة، وقد شرذمت المشاريع السياسية المتنافرة هذا الصف. وعلى الرغم مما حازه من مشروعية واعتراف دوليين، لم يستطع السراج بسط سلطة الدولة الليبية على كامل ترابها للاعتبارات أعلاه. وهذا هو حفتر يقف الآن على مشارف طرابلس، وربما استطاع اختراقها جزئيا كما فعل سابقا. وعلى الرغم مما تكدس له من عتاد ومرتزقة، يبدو الحسم العسكري بعيد المنال، خصوصا في ظل التعبئة التي قامت بها مدن الغرب الليبي، لأسباب ثقافية سياسية ستظل تؤجج معارضتها سيطرة حفتر على العاصمة. وفي هذا الوضع الدقيق، تدخل تركيا بكل ثقلها، وبشكل معلن مثل بقية منافسيها أو أكثر، على خط النار. والاتفاقيات التي أمضتها أنقرة مع سلطات طرابلس، المعترف بها دوليا، ومباحثات الرئيس التركي، أردوغان، في تونس، علاوة على التحرّكات الدبلوماسية، ترجح أن يكون التدخل التركي، حتى وإن لم يُنجز على أرض الواقع، هو عامل تعديل لموازين القوى، في انتظار  موافقة البرلمان التركي على إرسال قوات عسكرية في ليبيا خلال الجلسة المتوقع عقدها يوم 8 الشهر المقبل (يناير/ كانون الثاني)، ويتزامن مع لقاء يجمع أردوغان مع الرئيس الروسي بوتين، وذلك كله فيما يدرك الجميع أن حسم المعركة عسكريا مستحيل، غير أن كل طرف يسعى إلى تحقيق مكاسب على الأرض، حتى تكون رسائله إلى مؤتمر برلين، إذا انعقد، قوية.
يأمل الليبيون، مهما اختلفت مواقفهم من بعضهم بعضا، ألا تتحول بلدهم أرض حرب بالوكالة، خصوصا في ظل انقسام دولي حاد، وتباين مواقف القوى العظمى، وتحديدا فرنسا وإيطاليا وغموض الموقف الأميركي. ويؤمل أن يقدّم مؤتمر برلين الدي لم يفصح عن هويته مقاربة جديدة، وهو يصر على استحضار من يخوضون الحرب بالوكالة في ليبيا، ولكنه يُقصي قوىً إقليمية مهمة قد لا تقبل مخرجاته. ولذلك تسعى الولايات المتحدة الأميركية وروسيا إلى إيجاد مسارات موازية، إما لفرض أجندتها أو بدائل جاهزة في حالة الفشل. والمريب والمعيب هو إغفال دور الليبيين ومن جاورهم، وتحديدا تونس والجزائر اللتين لم تُدعيا له.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى