هل نحن شريرون بطبعنا؟!
صلاح عثمان

خمسة صبية، تتراوح أعمارهم ما بين الخامسة عشر والثامنة عشر، تسببت رغبتهم في اللهو والمزاح في مصرع شاب يُدعى «هشام زكريا» (في العقد الرابع من عمره) منتصف شهر رمضان الماضي (2022)،

حيث كان الشاب يجلس برفقة أصدقائه على إحدى المقاهي بمدينة الإسماعيلية، وقام الصبية بإلقاء أكياس مملوءة بالماء عليهم بهدف تصوير مشهد كوميدي لبثه عبر منصة الفيديوهات القصيرة «تيك توك».

أثار هذا الفعل غير المسؤول غضب الشاب فقام بملاحقتهم جريًا، وفور إمساكه بأحدهم أصيب بأزمة قلبية لم تُفلح معها محاولات إنقاذه!

لماذا يتنمر الناس على بعضهم البعض؟
تكرر هذا المشهد في أكثر من مكان وزمان، تزامنًا مع بث بعض البرامج التلفازية غير الهادفة، بل والمثيرة للاستهجان، التي تتخذ من ترويع الناس أو إثارة غضبهم أو التنمر عليهم ذرائع للضحك،

الأمر الذي يثير كثرة من التساؤلات: هل يميل الناس بطبعهم إلى ممارسة العنف والتنمر، أم أن هذه الممارسات الممقوتة ناجمة عن التردي التربوي والتعليمي الذي يُكابده المجتمع منذ عقودٍ طويلة؟

وهل للكبت السياسي والمعاناة الاقتصادية دورٌ في تزايد وتيرة هذه الممارسات؟ وما دور الأسرة ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية؟

هل الإنسان عُدواني بالفطرة؟ وهل ثمة مُتعة يسعى إليها بإيذاء الآخرين؟ وأخيرًا ألا تقتطع هذه الممارسات من إنسانيتنا وقيمنا وحضاراتنا؟

تجربة مارينا أبراموفيك

في سنة 1974 قامت «مارينا أبراموفيك» Marina Abramović، وهي فنانة صربية من مواليد 1946، بخوض تجربة مثيرة لتتعرف أكثر على تصرفات البشر إذا مُنحت لهم حرية اتخاذ القرار دون شرط،

حيث قررت أن تقف لمدة ست ساعات متواصلة دون حراك في مكانٍ عام، وأتاحت للجماهير أن يفعلوا بها ما أرادوا، ووضعت بجانبها طاولة عليها العديد من الأدوات، منها سكين، ومسدس، وأزهار… وهكذا.

في بداية الأمر كان رد فعل الجماهير سلميًا، فاكتفوا بالوقوف أمامها ومشاهدتها، ولكن هذا لم يستمر كثيرًا؛ بعدما تأكد الناس أنها لن تقوم بأي رد فعل مهما كان تصرفهم تجاهها، أصبحوا أكثر عدوانية،

فقاموا بتمزيق ملابسها، وقام أحدهم بوضع المسدس على رأسها –ولكن أحد الأشخاص تدخل وأخذ المسدس منه، وقاموا بنكزها ببطنها بأشواك الأزهار، وتحرش بعضهم بها.

وبعد أن انتهت الست ساعات تحركت «مارينا» من مكانها دون اتخاذ أي رد فعل عدواني تجاه الجماهير، وبمجرد أن بدأت بالتحرك هموا بالفرار!

الحرية ليست مطلقة
هذه التجربة أثبتت لـ«مارينا» وغيرها أن البشر الذين نتعامل معهم يوميًا، مهما اختلفت أعراقهم وأعمارهم وثقافاتهم، قادرون على، بل ويميلون إلى، ارتكاب أفعال عُدوانية إن أتحيت لهم الفرصة.

وهذا ما يجبرنا على أن نُقر دومًا أن السُلطة بحاجة إلى القوة، وأن الحرية لا يمكن أن تُمنح بصورةٍ مطلقة دون رادع أو وازع من قانون يضبط إيقاعها.

ثمة أشخاص يرغبون دومًا في ممارسة التسلط على الآخرين، وثمة أشخاص يشعرون بالمتعة حين يُلحقون الأذى بالآخرين أو يتنمرون عليهم، وثمة أشخاص يُشبعون إحساسًا دفينًا لديهم بالنقص من خلال العبث بالسلام النفسي الداخلي للآخرين وتأكيد فوقيتهم عليهم!

الغضب المكبوت

ولكي نكون منصفين للإنسانية، علينا أن نعترف أننا نشأنا ونعيش تحت مظلة ثقافة لا يُسمح لنا فيها بالتعبير الطبيعي عن الغضب، ومن ثم فليس من المستغرب أن يكون لدى كل منا سجلٌ تاريخي للغضب؛ إنه سجل كل تلك المواقف والأوقات التي تعرضنا فيها للإهانة وسوء المعاملة والظلم والقهر، سواءً أكنا أطفالًا أو شبابًا أو شيوخًا.

لقد شعرنا بالغضب مراتٍ عديدة، لكننا أجبرنا على الصمت! وكل ما فعلته «مارينا» أنها أتاحت فقط للناس منفذًا للتعبير عما بدواخلهم، تمامًا كما قام الصبية الذين تسببوا في موت «هشام زكريا» بمحاولة التعبير عما بدواخلهم من غضب وإن بشكلٍ خاطئ!

كثيرٌ من الناس عند منحهم الإذن بالتصرف إزاء الآخرين دون رقيب، ينتهزون هذه الفرصة لتفريغ طاقة الغضب المكبوتة لديهم (إلا ما رحم ربي)، فيتجاهلون أو يتناسون نُسخة ذواتهم اللطيفة، ويكشفون دون مواربة عن الوحش الذي اجتهدوا من قبل في إخفائه بدُثر القيم وبريق التحضر!

هل الإنسان شرير بطبعه؟
ربما كانت السياسة إحدى معاول الهدم للجانب الخيَّر في الإنسان، وربما كان الصراع الاقتصادي أحد عوامل التغليب لنوازع الشر، وربما كان الإعلام –بما يُمارسه من قصف يومي لمنظومة القيم بأكملها– أحد أدوات التشويه المتعمد لفطرة البشر السوية،

لكن البشر ليسوا بطبعهم أشرارًا على طول الخط، ولا نستطيع الحُكم عليهم بشكلٍ نهائي بالأنانية المُفرطة أو القسوة الخالصة، فلقد أثبتوا مرارًا، وفي كثرة من المواقف، أنهم قادرون على التضحية، مُستعدون للعطاء، مُحبون للرحمة.

الخير والشر حدَّان متباعدان، والبشر متفاوتون قربًا أو بُعدًا من كليهما، ومع ذلك علينا أن نُسلم بحاجتنا إلى القانون المُقوم للحرية، على الأقل لتذكيرنا بأن غلبة الشر ستحملنا قطعًا إلى الهاوية!

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى