هل يعيد كورونا تشكيل العالم؟
إياد خالد الشوربجي

منذ بدء انتشار فايروس كورونا وتحوله إلى جائحة عالمية، تبدت حتى الآن العديد من تداعياته المحتملة على المستوى العالمي، وبانت بعض ارتداداته التي ضربت مفاصل عديدة على رأسها اقتصاديات دول كثيرة. فالشلل الكبير والمتفاقم يضرب أطنابه في العديد من مدن وعواصم العالم, حتى حوَّل الكثير منها إلى مدن أشباح، كما أوقف حركة الكثير من مطارات العالم وقلص حركة الأخرى منها، وعطل السياحة، وأوقف الكثير من المصانع والشركات وحركة التجارة والمرافق والمصالح الحياتية والحيوية، وأدى أيضاً لتهاوي أسعار النفط، وتهاوي البورصات العالمية التي غلب على مؤشراتها اللون الأحمر.

هذه الجائحة التي باغتت البشرية؛ قد انهارت أمامها منظومات صحية في كثير من الدول المتقدمة صحياً وإدارياً، وكشفت الكثير من عوراتها, بينما انصب تركيز هذه الدول على مراكمة الترسانة العسكرية على حساب التطوير المدني والإداري، ما حدَّ من قدرتها على مواجهة الأزمات.

كل هذا الكم من التعطيل والشلل الواسع ينبئ بانهيارات اقتصادية قادمة في حال استمرار هذه الحالة، في ظل التوقعات بامتداد هذه الأزمة لشهور أو لسنوات قادمة.

عمق وفداحة ومدى هذه المتغيرات التي يمكن أن يفوق تأثيرها حال استمرارها تأثير حروب عالمية غيرت خارطة العالم، وأعادت توزيع القوى بما ينسجم مع ما فرضته ميادين القتال من نتائج ومعطيات النصر والهزيمة.

يقال أن الأوبئة التي اجتاحت العالم عبر التاريخ شكلت نقاط تحول لصعود دول وهبوط أخرى، وهذا الكلام غير مستغرب بالنظر لحجم وفداحة التغيرات التي يمكن أن تحفرها هذه الأزمات في مسار التحولات العالمية وحركة الأمم والحضارات.

بعد أن ضربت هذه الجائحة الصين ثم العديد من دول العالم، إذ بالولايات المتحدة تتصدر قائمة الدول الموبوءة عالمياً. جاء ذلك عقب سياسات أمريكية انسحابية آثرت العزلة النسبية عن العالم، وتوسيع المسافة مع الأصدقاء والحلفاء، والتركيز على البعد النفعي التجاري الابتزازي المباشر بحسب العقلية الترامبية، أكثر من تركيزها على مبدأ ديمومة تربع الولايات المتحدة في مركز الصدارة العالمية، واستمرار السيطرة والسطوة الأمريكية بطريقة شمولية تعتمد على الشرعية والقيم بقدر اعتمادها على القوة المجردة.

في ظل هذا الواقع تولدت مؤشرات عديدة على امكانية تراجع مكانة الولايات المتحدة كقوة أولى عالمياً، في مقابل تصاعد أسهم الصين دولياً، وإمكانية توغلها في تفاصيل السياسة الدولية بشكل أعمق، وتجاوزها لفكرة التركيز على النواحي الاقتصادية وحدها .

ففي هذا الإطار نشرت مجلة “فورين أفيرز” الأميركية تقريراً حذّرت فيه من قدرة فيروس كورونا على إعادة تشكيل النظام العالمي. وبحسب التقرير فإنّ الصين تناور لتقود العالم في حين تفشل الولايات المتحدة الأميركية في التعاطي مع الوباء. سيتعزز هذا الكلام بشكل كبير إذا ما أعيد انتخاب ترامب لفترة ولاية ثانية, ما يُعطي فرصة أكبر لإحداث تغيرات عميقة على بنية النظام الدولي.

على صعيد آخر، وفي ظل تضخم حجم الأنانية والذاتية القُطرية؛ يمكن أن تتسع الفجوة بين أوروبا وبين الولايات المتحدة، عقب تخلي الأخيرة عن نصرة الأوروبيين في مواجهة هذه الجائحة، فضلاً عن اتساع الهوة بين المكونات الأوروبية نفسها، على خلفية تخلي العديد منها عن نصرة غيرها، وإيطاليا تشكل نموذجاً في هذا السياق. الأمر الذي يُنبئ بزيادة التوجه نحو الدولة القومية أكثر من التركيز على التكتلات الإقليمية والعالمية.

تراجع الولايات المتحدة؛ القوة الأعظم عالمياً، عن التغلغل في مفاصل ومفاعيل السياسة الدولية، يُشكل فرصة مهمة للعديد من القوى الإقليمية والعالمية الجاهزة، حسب مبدأ تعبئة الفراغ. عالمياً, وإلى جانب الصين؛ تقف روسيا في مقدمة هذه القوى التي يمكن أن توسع من نفوذها وتغلغلها في المناطق الرخوة التي تُخليها القوة الأمريكية المتراجعة. وإقليمياً؛ يمكن أن تستفيد كل من إيران وتركيا من هذا الواقع الجديد، ما لم تنهكهما تداعيات هذه الجائحة.

كما أن حجم الاجراءات والقرارات التي اتُخذت في ظل حالة الطوارئ في الكثير من الدول؛ ستعمق من حالة التسلط والاستبداد على الشعوب، جراء تعود الحكام على هذه الإجراءات واستسهالهم لها واستغلالها, وتوظيف الظروف التي ساقت إليها لزيادة قدرتهم على تثبيت الحكم وحماية النظام، على حساب الديمقراطية والحريات.

ولا يمكن أن تمر حالة الركود والكساد الاقتصادي التي ولدتها الجائحة؛ دون أن تؤدي إلى مفاقمة أوضاع الطبقات المعدمة والضعيفة سيما في مجتمعات العالم الثالث، ما قد يدفع إلى المزيد من الاضطرابات والقلاقل داخل هذه المجتمعات، ويؤثر على حالة الاستقرار الإقليمية والعالمية.

على أية حال تُنبئ هذه الجائحة بإحداث تغيرات جيوسياسية عميقة على المستوى الدولي, ستنعكس مفاعيلها على بنية النظام العالمي، قد تصعد فيه قوى وتهبط أخرى، مُغيِّرة ربما مفاهيم وأيديولوجيات اقتصادية وفلسفات ثقافية قد تكون فكرة العولمة والنيوليبرالية أولى ضحاياها.

تجدر الإشارة إلى صعوبة التنبؤ بموقع العالم العربي في خضم هذه الموجة التغييرية المرتقبة، ومدى استفادته من التحولات المتوقعة، وذلك نظراً لما يعانيه من حالة ضعف وتفكك وفقدان الرؤية والإرادة والمشروع والاستقلالية, فهل سيبحث له عن متبوع جديد، أم سيتلمس له مكانة بين الأمم؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى