هل يفتك كورونا بشبكة الإنترنت؟

محمد طاهر

يوم الأربعاء 18 أذار (مارس) الحالي، نظم مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة “فيسبوك” في منزله بكاليفورنيا، مؤتمرا صحافياً دعا إليه عدداً محدوداً من الصحافيين، تحدث خلاله بنبرة جادة يشوبها القلق كاشفاً عن أن خوادم شركته تشهد ضغوطاً غير مسبوقة جراء كثافة استخدام منصاتها في المناطق التي تضررت بشدة بسبب انتشار فيروس “كورونا المستجد”. وقال مؤسس “فيسبوك” إن “المكالمات الصوتية والمرئية تضاعفت بشكل هائل”، خصوصاً لدى مستخدمي تطبيق “واتس آب” الشهير المتخصص في تبادل الرسائل والصور ومقاطع الفيديو والمكالمات. وأوضح زوكربيرغ أن مستوى نشاط هذا التطبيق تجاوز في الأسابيع الأخيرة، ذروته القصوى التي تم تسجيلها ليلة رأس السنة في31 كانون الثاني (ديسمبر) الماضي.

وذكر رئيس “فيسبوك” التنفيذي، أن مهندسي شركته يعكفون حالياً على تعزيز البنى التحتية لخوادم الشركة في كافة مناطق العالم، لتتمكن تطبيقاته من مجاراة الضغوط الحاصلة في بعض البلدان مثل إيطاليا، حيث تضررت شبكة الإنترنت بشدة جراء كثافة حركة مرور البيانات، مع تعاظم تفشي جائحة كورونا غداة فرض السلطات احتواءً شبه كامل للسكان في 10 مارس الحالي. وأوضح زوكربيرغ، أن أولى أولويات شركته اليوم هو إتاحة المعلومات والبيانات الرسمية المتعلقة بالمرض وكيفية تجنبه على منصاتها الاجتماعية، مشيراً إلى أنه من الآن فصاعدا، سترتكز استراتيجية “فيسبوك” على التأكد من “أن عامة الناس تأخذ موضوع احتواء فيروس كورونا على محمل الجد”.

تحذيرات زوكربيرغ
وعبّر زوكربيرغ عن مخاوفه من عواقب عدم دقة ما يُنشر من تقارير على شبكة الإنترنت، وقال إنه قرر تخصيص المزيد من الموارد لمراقبة المحتوى الذي قد يؤدي إلى ازدياد حالات الانتحار؛ إذ توقع أن تؤدي العزلة المطولة الناتجة عن الاحتواء، والتي أصبحت معياراً مطبقاً في أجزاء ودول كثيرة من كوكبنا، إلى “مشاكل نفسية أكثر تعقيداً” لمستخدمي الشبكة. وحذّر زوكربيرغ من أن تطبيق شركته لسياسة العمل عن بعد للمشرفين على المحتوى، سيجعل “كشف التقارير غير الدقيقة وإزالتها أبطأ من المعتاد”. وكشف أن منصاته ستبدأ من الآن وصاعداً نشر مقالات لـ”خبراء في الصحة العامة، وصحفيين وأكاديميين، وأيضا شخصيات (لم يحددها) على رأس شريط الأخبار” الذي يشاهده عشرات ملايين متصفحي فيسبوك لتشجيعهم على عزل أنفسهم.

وزوكربيرغ ليس الشخص الوحيد الذي تعاني شركته ضغوطاً تقنية تتجاوز قدرات خوادمها وتكاد تحطمها، تزامناً مع زحف فيروس “كورونا المستجد” في كل مكان. فمع انتشار هذه الجائحة، دُفع العديد من الأشخاص للعمل انطلاقاً من منازلهم، وباتوا يعقدون اجتماعات افتراضية متعددة الأطراف على مدار الساعة، فيما بدأ طلاب من كافة المراحل الدراسية في تلقي محاضراتهم عبر شاشات الألواح الرقمية، كما يُبحر رجال المصارف والعاملون في البورصات داخل دهاليز الأسواق المالية الصاخبة عبر شبكة الإنترنت، في وقت يحاول مئات ملايين الأفراد الآخرين التواصل صوتياً أو مرئياً أو حتى عن طريق الدردشة الإلكترونية خلال انخراطهم في عزلة “التباعد الاجتماعي”. وتشكل كل هذه الحالات مجتمعة وغيرها، ضغوطاً شديدة غير مسبوقة على الشبكة العنكبوتية؛ إذ بدأت البنية التحتية للإنترنت تُظهر علامات إجهاد وتصدع في بعض المناطق حول العالم. ويقول أدريان بلوم، مدير الاتصال في موقع “داون ديتيكتور” المتخصص في الإبلاغ عن انقطاع خدمات الإنترنت، إنه يطلع على تقارير يومية تتحدث عن “موجات انقطاع مؤقتة للخدمة، ومشاكل مرتبطة باختناق حركة مرور البيانات في شبكة الإنترنت، تزامنا مع انتشار فيروس كورونا المستجد. فيما بدأت قطاعات بعينها في الشبكة، مثل المكالمات المرئية، تتأثر لجهة نوعية الاتصال أو حتى صعوبة إجرائه”.

لكن هل يمكن فعلاً لاجتياح فيروس “كورونا المستجد” أن يُحطم شبكة الإنترنت؟

يقول الخبراء المتخصصون في بروتوكولات اتصال الشبكة، إنهم بدأوا يشعرون بضعف الأداء وترهله لدى استخدام الإنترنت خلال بعض الأوقات وكذلك في بعض المناطق الجغرافية. ويرجح هؤلاء الخبراء أن يعتري الشبكة مزيد من الضعف، لا بل ثمة آراء تذهب نحو انهيار بعض نطاقاتها مثل تطبيقات الشبكات الافتراضية الخاصة بالشركات التي طلبت من موظفيها العمل انطلاقاً من المنزل، ومواقع تداول الأسهم، وكذلك منصات ألعاب الفيديو التشاركية.

مؤتمرات الفيديو
تمثل مشاهدة مقاطع الفيديو زهاء 70 بالمئة من “حركة مرور الشبكة”. وما فتئ المزيد من الأشخاص يلجأون إلى موقعي “نتفليكس” و”يوتيوب” قتلاً للوقت مع محاصرتهم داخل غرف منازلهم. لذا تراود خبراء الإنترنت مخاوف جراء إضافة مؤتمرات الفيديو الخاصة بالشركات إلى هذا المزيج، إذ قد يصيب الشبكة في مقتل. ونظراً لخطورة هذا الموقف، ولضرورة استمرار عمل الشبكة العنكبوتية، طلب مسؤولون في “الاتحاد الأوروبي” من شركة “نتفليكس” مؤخراً التوقف عن بث خدماتها عالية الوضوح منعاً لانهيار الإنترنت تحت ضغط البيانات الهائلة في القارة الأوروبية. وقال تيري بريتون، المفوض الأوروبي المسؤول عن السوق الداخلية للاتحاد، إنه تحدث إلى ريد هاستينغز، الرئيس التنفيذي لشركة “نتفليكس”، الذي وعده تلبية الطلب الذي سيقلل حركة المرور في الشبكة بنسبة 25 بالمئة على النطاق الأوروبي. كما دعا بريتون الأشخاص والشركات إلى عدم التوجه إلى استخدام خدمات الفيديو عالية الوضوح حفاظاً على سلامة شبكة الإنترنت.

ومع انضمام المزيد والمزيد من الأشخاص لطوابير العاملين من منازلهم، يتعاظم استخدام خدمات تطبيقات التواصل بواسطة الفيديو، مثل تطبيقا “زووم” و”سكايب” اللذان باتا مرجعاً للاجتماعات الافتراضية. كما باشرت جامعات مثل “ستانفورد” و”واشنطن” وغيرها عقد محاضراتها باستخدام برامج مؤتمرات الفيديو منذ إلغاء الفصول الشخصية.
ويشير روجر إنتنر، مؤسس شركة الاستشارات والأبحاث “ريكون أناليتيك”، إلى أن حركة مرور الفيديو قبل تفشي كورونا كانت كثيفة أصلاً خلال الفترات الليلية؛ إذ كان العديد من الأشخاص يشاهدون “نتفليكس” أو “يوتيوب” في هذه الأوقات. لذا لا خوف من حدوث ضرر للشبكة اليوم مع ميل الناس والشركات إلى الإفراط في استخدام خدمات مؤتمرات الفيديو خلال النهار. إضافة إلى ذلك، تعتمد الكثير من تطبيقات مؤتمرات الفيديو على مقدمي الخدمات السحابية الرئيسيين الذين تم تصميم خوادمهم للتعامل مع حركة مرور البيانات الهائلة والتي يصعب أن تصاب بالفشل. ويقول إنتنر إن مقدمي خدمات تطبيقات مؤتمرات الفيديو المعتمدين على الخدمات السحابية المرنة من “أمازون” أو “مايكروسوفت” أو “غوغل” في موقف آمن ولا خوف عليهم. ونصح إنتنر، في حال واجه المرء مشكلات في الاتصال أن يقلل دقة الصورة أو منع خيار الفيديو تماما. ذلك أن المكالمة الصوتية تتطلب 40 كيلو بت في الثانية، وهي سعة صغيرة جدا مقارنة مع المكالمة المرئية (الفيديو)، ويضيف بلهجة ساخرة “كما أنه ليس ضرورياً لك أن تحدق في الوجوه الجميلة لزملائك”.

مواقع تداول الأسهم
وفقا لموقع “داون ديتيكتور”، سجلت التقارير الواردة من منصات الإنترنت المتخصصة في تداول الأسهم مثل “أميريترايد” و”ئي-ترايد”، ارتفاعا في عمليات انقطاع التواصل في هذا الشهر الذي شهد انهياراً غير مسبوق الأسواق المالية.

كما تعرض تطبيق “روبن هود” المتخصص في مداولات البورصة، لخلل جسيم يتعلق بعدم قدرة مشتركيه على تنفيذ عمليات بيع وشراء الأسهم، ووصلت فترات انقطاع التطبيق عن العمل إلى ساعة واحدة يومياً خلال الأسابيع القليلة الماضية، ما كبد المستثمرين المعتمدين على خدماته مئات ملايين الدولارات. وغالبا ما تواجه مواقع تداول الأسهم المستندة إلى شبكة الإنترنت مشكلات خلال الارتفاع المفاجئ في حركة المرور، لأنها لا تستخدم خدمات الشركات السحابية بسبب الطبيعة الحساسة ماليا لمعاملات الأسهم. وعادة ما تفضل هذه المواقع تطوير أنظمتها الخاصة داخليا لجعلها أكثر أمانا، ولكنها غالبا ما تفتقد السعة التي كانت ستحصل عليها مع خدمة سحابية كبيرة. ويقول إنتنر “إن الانقطاعات بسبب الضغط الزائد الحالي يمثل مشكلة متوقعة بالنسبة لهذا القطاع من الشبكة. ذلك أنه من المكلف بمكان إعداد نُظم يمكنها التعامل مع الأحداث غير العادية مثل وباء كورونا المستجد”.

اجراءات الحجر الصحي في المنازل زادت الضغط على شبكة الإنترنت (غيتي)
شبكات الشركات الافتراضية
تقوم الشركات حول العالم بإغلاق أماكن عملها ومقراتها مؤقتا للمساعدة في إبطاء انتشار فيروس “كورونا المستجد” واحتوائه. وقد طلبت شركات عملاقة بارزة مثل “أمازون” و”تويتر” و”جي بي مورغان شايس” و”بروكتر أند غامبل” بالفعل من بعض أو جميع موظفيها العمل من منازلهم. ومع إغلاق المزيد من المكاتب أبوابها، سيتعين على أعداد أكبر من الموظفين البدء في ولوج شبكات الشركات الخاصة الافتراضية. لكن هذه الشبكات تتطلب إعداد “جدران حماية منيعة”، تعرف باسم “في بي إن”، لتصبح عصية على الاختراق. ويمكن لجدران الحماية هذه لدى تحميلها بشكل زائد أن تؤدي إلى إبطاء الشبكة وفقدانها، وقد يصل الأمر إلى فقدان بعض المحتوى المتداول بين العاملين.

ويقول داريل بلامر، نائب الرئيس والزميل في شركة “غارتنر” للاستشارات المتخصصة، إنه من المحتمل أن يواجه العاملون بهذه الطريقة، مشكلات بسبب عدم اتخاذ أصحاب العمل الاستعدادات الكافية مسبقاً. ويتساءل بلامر قائلاً: “هل أنفقت الشركات أموالها استعداداً لمثل هكذا أوضاع، أم أنها أنفقت الحد الأدنى لاستيعاب حركة المرور التي اعتقدت أنها ستحصل عليها في وقت معين؟”. ويضيف الرجل أنه عندما تقوم شركة بإعداد شبكة “في بي إن” خاصة بها، فإن عليها أن تتوقع إمكانية تجاوز أحمالها مرتين أو حتى ثلاث مرات، ولكنها نادرا ما تتوقع سيناريو طوارئ مثلما يحصل اليوم. ويضيف بلامر إنه يتوجب على الشركات كذلك إجراء اختبارات تحميل مختلفة لشبكة “في بي إن” الخاصة بها، مثل تحديد عدد الاتصالات التي يمكن إجراؤها عبر الشبكة، وإرسال أنواع مختلفة من المحتوى. ومع ذلك، يشير بلامر إلى أن الشركات لا تعطي أولوية لضمان الجودة في كثير من الأحيان.

ألعاب الفيديو
شهدت شبكات الإنترنت في أوروبا زيادات هائلة في حركة المرور عبر الإنترنت، حينما لجأ الناس إلى أجهزة الكمبيوتر للترفيه عن أنفسهم خلال إقامتهم الإلزامية في المنزل. فقد أغلقت المدارس في إيطاليا، على سبيل المثال، وتركت العديد من الأطفال غارقين في أرائكهم يمارسون ألعاب الفيديو. وأفاد لويجي غوبيتوسي، الرئيس التنفيذي لشركة “تليكوم إيطاليا”، أن شبكة خطوط الإنترنت الأرضية شهدت زيادة في حركة المرور تفوق الـ70 بالمئة، ما أدى إلى فيضان من فقدان الاتصال بالإنترنت. وعزا غوبيتوسي هذه الزيادة إلى “ألعاب الإنترنت مثل فورتنايت، التي تستهلك النطاق الترددي أكثر من معظم خدمات العمل عن بعد”.

ويبدو أن غوبيتوسي قد فاته خبر إصدار لعبة الفيديو الجديدة (Call of Duty: Warzone) هذا الأسبوع، بملفاتها الضخمة التي تتراوح ما بين 18 إلى 23 جيجابايت، والتي تسببت فى زيادة الازدحام المروري على الشبكة. وكأن العالم ينقصه مزيد من الانشغالات والحروب الافتراضية.. وسط اجتياح جائحة كورونا.

عن اندبندنت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى