السياسي -وكالات
من الصعب أن يجد المراقبون سببا جوهريا وراء قرار الرئيس الأمريكي بايدن مضاعفة الرسوم الجمركية عدة مرات على سلع صناعية صينية في 14 من الشهر الحالي، غير أنه يريد صنع أحداث يملأ بها إطارا فارغا تقريبا قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة التي ينافس فيها الرئيس السابق دونالد ترامب في سباق يستهدف تخريب النظام العالمي، وإثارة المزيد من التوتر الاقتصادي والتجاري في العالم لن يجلب على الولايات المتحدة إلا زيادة احتمالات عناد التضخم، وتباطؤ النمو، والتراجع في سباق المنافسة مع الصين. الرسوم الجمركية الإضافية التي أعلنها بايدن في 14 أيار/مايو طبقا للفقرة 301 من قانون التجارة غير العادلة لسنة 1974 تضمنت رفع التعريفة الجمركية على أشباه الموصلات الالكترونية بمقدار الضعف إلى 50 في المئة من 25 في المئة، ورفعها على خلايا الطاقة الشمسية بأكثر من ثلاثة أمثال إلى 25 في المئة من 7.5 في المئة، وبنسبة 25 في المئة على بطاريات الليثيوم الكهربائية، وبنسبة مماثلة على المعادن النادرة مثل الجرافيت والكوبالت، والمعادن المغناطيسية. ورفعها على السيارات الكهربائية بمقدار أربعة أمثال إلى 100 في المئة من 25 في المئة.
المثير للدهشة أن قرار بايدن بفرض تعريفة جمركية إنتقامية أو «مانعة» حسب التعبير الأوروبي، ضد واردات السيارات الكهربائية ذات المنشأ الصيني بنسبة 100 في المئة، جاء في الوقت الذي انعدمت فيه تلك الواردات وبلغت نقطة «الصفر»! بسبب كثير من التعقيدات التجارية الثنائية وارتفاع اسعار السيارات الصينية في الولايات المتحدة نتيجة العقوبات التجارية السابقة التي فرضها الرئيس الأمريكي السابق منذ عام 2018 حتى خروجه من البيت الأبيض. وتأمل الإدارة الأمريكية أن تكون حزمة العقوبات التجارية الأخيرة رادعا للصين للحد من إغراق السوق الأمريكية بفائض الإنتاج المتاح لديها الذي يتكون من مجموعات السلع المختلفة، وأهمها السيارات الكهربائية، والصناعات الأخرى التي تدخل فيها مكونات الخلايا الشمسية والشرائح الإلكترونية الذكية وبطاريات تخزين الطاقة المتجددة. وكانت الولايات المتحدة قد طلبت من الصين رسميا تقليص إنتاجها الصناعي والتخلص من فائض الإنتاج المتاح لديها، وذلك خلال زيارة وزيرة الخزانة «جانيت يلين» لكن هذا الطلب قوبل بالسخرية والرفض.
وعلى الرغم من كل الإجراءات التجارية التي اتخذها بايدن، فإن رئيس الولايات المتحدة ما يزال يردد أنه «لا يريد حربا تجارية مع الصين!» لكنه مع ذلك يريد أن يبدو أكثر تشددا ضدها، لإقناع الناخبين بالتصويت لصالحه في نوفمبر القادم. ومع ذلك فإن استطلاعات الرأي العام لا تظهر نتائج مؤكدة في هذا الاتجاه. كما أن تداعيات سياسة الحماية التجارية ضد الصين وإن كانت لا تبدو خطيرة في الأجل القصير، طالما أن الاقتصاد الأمريكي ينمو بقوة، وأن سوق العمل يتسع بسهولة لطالبي العمل الجدد، فإن الخطورة التي يمكن أن يتعرض لها الاقتصاد نتيجة تداعيات الحرب التجارية، تتمثل في ارتفاع معدل التضخم بسبب اضطراب سلاسل الإنتاج، وتدهور كفاءة إنتاجية الصناعة الأمريكية بسبب غياب المنافسة وراء أسوار الحماية. وهو ما يعني تقليل فرص تخفيض أسعار الفائدة والعجز عن دفع معدل النمو إلى مستوى أعلى من 3.5 في المئة. المفارقة، بسبب السباق الانتخابي، أن المرشح المنافس للرئيس الحالي يقول إن تلك الإجراءات ضد استيراد السلع الصينية ليست كافية، وأنه في حال انتخابه رئيسا في نوفمبر القادم سيرفع الرسوم الجمركية بنسبة 200 في المئة!
المزايا التنافسية للصين
تنتج الصين أكثر من نصف إنتاج العالم من السيارات الكهربائية (60 في المئة). وتقدر بيانات صناعة السيارات العالمية أن إنتاج الصين السنوي يبلغ حوالي 30 مليون سيارة، في حين أن الطاقة الاستهلاكية للسوق الصيني المحلي لا تسمح ببيع أكثر مما يتراوح بين 22 – 23 مليون سيارة سنويا. ويسود اعتقاد في الولايات المتحدة بأن الصين تقدم دعما كبيرا لصناعة السيارات الكهربائية، وتقوم بعد ذلك بإغراق الأسواق العالمية بالسيارات الكهربائية الرخيصة. وقال تحالف منتجي السيارات الأمريكيين، في ورقة تم إرسالها إلى البيت الأبيض أخيرا، أن الواردات من الصين تعتبر تهديدا وجوديا لصناعة السيارات الكهربائية في الولايات المتحدة، وذلك على الرغم من الدعم الذي تتلقاه صناعة السيارات الكهربائية الأمريكية رسميا من الحكومة، بمقتضى قانون الحد من التضخم. وتأييدا لهم قال الرئيس الأمريكي بايدن أن إدارته لن تسمح للصين بمواصلة إغراق السوق الأمريكي بسيارات رخيصة تهدد وجود الصناعات المحلية. هذا الادعاء لا يستند الى أي تهديد فعلي للسيارات ذات المنشأ الصيني في السوق الأمريكية، لأن كمية الواردات منها هي الصفر. ومع ذلك فإن المنافسة الصينية تأتي من مصدر غير مباشر هو المكسيك، حيث أنشأت شركة «بي واي دي» مصنعا لإنتاج السيارات الكهربائية هناك تشمل سيارات الركوب وعربات نقل البضائع الخفيفة. وبما أن نص القرار الأمريكي بمضاعفة الرسوم الجمركية عدة مرات يسري فقط على السلع ذات المنشأ الصيني، فإنه لا ينطبق على السيارات ذات المنشأ غير الصيني، حتى لو كانت تحتوي على مكونات مصنوعة في الصين. هذا في واقع الأمر لا يحل أزمة شركات السيارات الكهربائية الأمريكية.
على سبيل المثال فإن شركة «بي واي دي» بدأت في إنتاج سيارة كهربائية صغيرة طراز «سيغال» تباع في الصين بما يعادل 12 ألف دولار. وهو سعر يعادل حوالي ثلث سعر أقرب منافس أمريكي لها تنتجه شركة جنرال موتورز. وتتمتع السيارة الصينية بمزايا أكثر تنافسية أكثر، حيث يبلغ وزن «سيغال» حوالي 1240 كغم، وهو ما يقل بمقدار الثلث عن وزن السيارة الأمريكية المنافسة طراز «شيفروليه بولت» التي تنتجها جنرال موتورز. وتتمتع «سيغال» أيضا بمزايا أكثر من حيث معايير الأمان والراحة والسرعة، فهي على سبيل المثال مزودة بأكياس حماية هوائية لستة أشخاص، ودواسات مكابح خلفية، ومقاعد مريحة جدا، وتصميمات وألوان جذابة لكل النسخ المُصْدرة من الطراز نفسه. وتهتم الشركات الصينية حاليا بإنتاج طرازات جديدة من السيارات الكهربائية الأصغر حجما، الأقل تكلفة، والأكثر تقدما من الناحية التكنولوجية، تتمتع بالكثير من مزايا الأمان والراحة. وهي في ذلك تستهدف ترويج استخدام السيارات الكهربائية على أوسع نطاق ممكن، وجعلها في متناول أيدي قطاعات عريضة من الطبقة الوسطى والشباب.
معايير مواجهة الدعم
تنص قواعد منظمة التجارة العالمية على أنه يجوز للدولة المتضررة من الدعم الذي تقدمه دولة أخرى لصادراتها من سلعة واحدة أو أكثر، فرض رسوم تعويضية للمحافظة على مصالح شركاتها، بشرط ألا تتجاوز قيمتها ما تقدمه الدولة الأخرى من دعم. هذا الشرط يعزز قوة النظام التجاري الدولي من ناحيتين، الأولى هي ضمان المنافسة على أرض مستوية، وهو ما يضمن العدالة، كما يضمن أيضا ألا تتستر أي شركة خلف سور عال للحماية تحقق من ورائه مكاسب تجارية. ليست الولايات المتحدة هي وحدها التي تشكو من أن الصين تقدم دعما لمنتجاتها الصناعية، فهناك دول أخرى تشكو من الشيء نفسه مثل دول الاتحاد الأوروبي.
وإزاء الارتفاع الكبير والسريع في صادرات السيارات الكهربائية الصينية إلى الاتحاد الأوروبي، وتزايد حدة مطالبة الولايات المتحدة بتقييدها، بزعم وجود نسبة كبيرة من الدعم الحكومي تدخل في تمويل إنتاجها، قرر الاتحاد الأوروبي في تشرين الأول/أكتوبر الماضي تشكيل لجنة تحقيق لفحص نسبة الدعم الذي تحصل عليه الصناعة من الحكومة الصينية، واتخاذ الإجراءات اللازمة. نتائج التحقيق لم تعلن بعد، لكن التقديرات الأولية تستبعد أن تكون قيمة الدعم الحكومي تعادل 50 في المئة من تكاليف الإنتاج، وهو المبرر الذي يمكن الاستناد إليه لفرض رسوم جمركية بنسبة 100 في المئة. وتضع السياسة التجارية الأوروبية معايير محددة للإجراءات الضرورية في حالات مكافحة الدعم والإغراق، تسترشد بقواعد عمل منظمة التجارة الدولية، والتي منها ألا تتجاوز الرسوم الوقائية قيمة الدعم، وأن تراعي مصالح الشركات الأوروبية في نظام تجاري مفتوح.
مجلة «الايكونوميست» البريطانية الرصينة وصفت سياسة الحماية التجارية التي تنتهجها الولايات المتحدة بأنها فاشلة، واتهمتها بأنها تؤدي إلى تفكيك النظام التجاري العالمي. وحذرت يوم إصدار القرار الأمريكي من آثاره الضارة المرتقبة على النظام التجاري العالمي، قائلة إن تخفيض المستوى العام للرسوم الجمركية كان واحدا من أهم الانجازات خلال الخمسين عاما الأخيرة، إذ تراجعت من أكثر من 10 في المئة في المتوسط في سبعينات القرن الماضي إلى ما يقرب من 3 في المئة في الوقت الحالي، وهو ما أدى إلى انتعاش التجارة العالمية، وزيادة نصيب الفرد من التبادل التجاري العالمي بمقدار ثلاثة أمثال تقريبا، وهو ما انعكس ايجابيا على رفاهية الفرد. واعتبرت «الإيكونوميست» أن زيادة الرسوم على السيارات الكهربائية ذات المنشأ الصيني قرار يدعو للأسف.
التداعيات السلبية على الشركات الأمريكية
هذه الرسوم الجمركية المرتفعة ستؤدي بلا شك إلى تخفيض اعتماد منتجي السيارات الكهربائية الأمريكيين على المكونات الصينية. وهذا من شأنه أن يزيد صعوبة الانتقال للطاقة الخضراء في صناعة السيارات الأمريكية، وصعوبة تحقيق الهدف المحدد بزيادة الاعتماد على السيارات الكهربائية ليرتفع نصيبها من السوق الأمريكية في عام 2030 إلى 40 في المئة من السيارات المستخدمة فعلا. ولا شك أن الشركات الأمريكية مثل «تسلا» و«جنرال موتورز» و«فورد» سوف تحقق فوائد كثيرة من إجراءات الحماية التجارية ضد الصين في المدى القصير، لكن نطاق الفائدة في الأجلين المتوسط والطويل يتوقف على كيفية زيادة القدرة التنافسية، وبناء شبكة إمدادات مستدامة وتنافسية، وإنتاج طرز جديدة أكثر كفاءة وأرخص سعرا تكون في متناول القطاعات العريضة من الطبقة الوسطى والطبقات الشعبية.
وفي الوقت نفسه فإن الشركات الصينية تحرص على استمرار وتطوير التعاون مع شركات السيارات الأمريكية. هذا التعاون يعبر عن نفسه في إقامة مراكز إنتاج للشركات الأمريكية في الصين، وإجراء أبحاث مشتركة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، خصوصا في مجالات الانتقال إلى الوقود الأخضر للسيارات، وأساليب الحد من الانبعاثات الملوثة للبيئة بشكل عام. كما يشمل التعاون أيضا كثيرا من الأنشطة المشتركة من المبيعات إلى التطوير التكنولوجي في أوروبا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وآسيا، إضافة إلى أن بعض الشركات الأمريكية تستخدم براءات اختراع وتكنولوجيا مملوكة للشركات الصينية في إنشاء وحدات إنتاج بطاريات الليثيوم المستخدمة في السيارات الكهربائية. وتتضمن استراتيجية الشركات الصينية إقامة استثمارات ومراكز إنتاجية في الخارج بهدف تحسين فرص الدخول والتوسع في الأسواق الخارجية، وتجنب الأضرار التي قد تتسبب فيها إجراءات الحماية التجارية. وقد بدأت فعلا شركة «بي واي دي» نشاطها الإنتاجي في المجر، ومن المقرر أن تنشئ مركزا إنتاجيا ثانيا في أوروبا في العام المقبل. كما تنشط الشركات الصينية أيضا في إقامة مشروعات استثمارية كبيرة في دول نامية صاعدة في مجال التصنيع مثل المغرب. وتقوم أيضا بتطوير أنشطتها الإنتاجية في المكسيك، لتعويض عدم وجودها في الولايات المتحدة، حيث أنها تستطيع من هناك النفاذ إلى السوق الأمريكية بسهولة طبقا لاتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية التي تضم الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
كيف يمكن أن ترد الصين؟
في المرات السابقة التي فرضت فيها الولايات المتحدة عقوبات تجارية ضد الصين منذ عام 2018 حتى الآن فإنها ردت بالمثل، لكن في حدود أضيق وبنسبة أقل. في هذه الحالات كانت الصين توجه رسالة للولايات المتحدة لإثبات أنها قادرة على الرد، وجعل الأمريكيين يدفعون ثمن حماقات حكومتهم. وعلى الرغم من تزايد دعوة قيادات شركات السيارات الكهربائية في الصين إلى معاملة الولايات المتحدة بالمثل، وفرض رسوم جمركية عالية على بضائعها الواردة إلى الصين، فإن صناع السياسة الاقتصادية يسعون بقدر الإمكان إلى تجنب إصدار قرارات ضد الولايات المتحدة تحديدا، وتفضل اتخاذ إجراءات عامة تستند إلى قواعد منظمة التجارة العالمية، يمكن أن تضر بالقدرات الأمريكية، إلا أنها تأتي في سياق الاستجابة لتوصيات الأمم المتحدة بشأن التحول الأخضر في مجال الطاقة لحماية البيئة. وفي هذا السياق تتصاعد دعوة لفرض رسوم جمركية مؤقتة بنسبة 25 في المئة على واردات السيارات الكبيرة، التي يزيد محركها عن 2.5 ليتر من البنزين، من الولايات المتحدة وغيرها، تحت مبرر تخفيض الانبعاثات الكربونية. مثل هذا الإجراء من شأنه أن يحقق الهدف المطلوب من تضييق نافذة الواردات من الولايات المتحدة، بدون أن يبدو أنه عقوبة موجهة ضد الولايات المتحدة، بل يتوافق مع مبادئ منظمة التجارة العالمية وقمة الأمم المتحدة للمناخ. وطبقا للإحصاءات الصينية فإن كمية السيارات المستوردة ذات المحركات الكبيرة سعة 2.5 ليتر أو أكثر قد وصلت في العام الماضي إلى 250 ألف سيارة تستحوذ وحدها على 32 في المئة من كل واردات الصين من السيارات. ومن الواضح أن نسبة كبيرة منها تأتي من الولايات المتحدة. ولن تستفيد الشركات الصينية من ذلك بشكل مباشر، حيث أن استراتيجياتها الإنتاجية في الوقت الحاضر تتجه للتركيز على إنتاج سيارات أصغر وأرخص بها وسائل راحة أكثر وتكنولوجيا أحدث دائما. كذلك فإنه في مواجهة سياسة رفع أسوار الحماية الجمركية ضد السلع الصينية المنشأ إلى مستويات أعلى، فإن الصين يمكن أن تلجأ، حسب تقدير اتحاد منتجي السيارات الأمريكيين، إلى زيادة اختراق السوق الأمريكية عبر تجميع منتجات صينية في المكسيك، للاستفادة من مزايا منطقة التجارة الحرة المشتركة. وفي هذا السياق فإن شركة «بي واي دي» كبرى شركات السيارات الصينية أطلقت أخيرا أحدث منتجاتها من سيارات النقل الخفيفة «بك أب» طراز «شارْك» المزدوجة الوقود كهرباء/ سولار في المكسيك، وهي المرة الأولى التي تطلق فيها الشركة طرازا جديدا خارج الصين.







