هل يقتل نظام إيران مقتدى الصدر؟
حسين عبدالحسين

يتداول متابعو السياسة في لبنان أنه يوم ذهب رئيس الحكومة السابق سعد الحريري للاتفاق مع ميشال عون على انتخاب الأخير رئيسا للبلاد، اقترح الحريري على عون أن تقوم كتلتيهما البرلمانيتين وحلفاء الحريري، وهذه كتل كانت تشكل غالبية الثلثين في “مجلس النواب”، إصدار قانون يجبر “حزب الله” على تسليم سلاحه للجيش اللبناني وحل ميلشيا الحزب، فأجاب عون: “يقتلوني (أي حزب الله)”.

كما في لبنان، كذلك في العراق، العنف والاغتيالات هي التي تلجأ إليها الميلشيات الموالية لمرشد إيران علي خامنئي لمنع صدور قوانين أو قرارات حكومية تنص على حلّها وتسليم سلاحها. لكن اللعبة في العراق أصعب على طهران، إذ من اليسير شراء شيعة لبنان الذين يبلغ عددهم مليون نسمة، لكن من العسير شراء شيعة العراق، الذين يبلغ عددهم 15 مليونا ويتمتعون بعائدات نفطية ومرجعية دينية أرفع وأعلى من مرجعية خامنئي.

هكذا، انتفض شيعة العراق على نظام الولي الفقيه، وكبّدوه خسارة انتخابية برلمانية ساحقة، في أكتوبر، شهدت تراجع عدد مقاعد أزلام إيران إلى حوالي الثلث، فيما حصدت كتلة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر أكبر كتلة برلمانية.

وحاول أزلام ايران – المنتظمون في ستة أحزاب أطلقوا على اتحادها اسم “الإطار التنسيقي”-  نسف الانتخابات وعدم الاعتراف بنتائجها أو بشرعيتها، لكن الاعتراف الأممي بشرعية الانتخابات، والتدقيق القضائي وإعادة الفرز والعدّ، كلها ثبّتت النتائج والهزيمة الإيرانية.

ثم ساهم الصدر في تعميق أزمة “الإطار” إذ هو باشر يفاوض باقي الكتل في “مجلس النواب” العراقي بهدف تشكيل تحالف حاكم. هكذا وجد “الإطار” نفسه على الهامش فيما القوى الباقية تتحالف بدونه – بل ضدّه – فحاول أزلام إيران تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر بالاتحاد مع الصدر، تحت عنوان لمّ الشمل الشيعي.

لكن الطائفية لم تعم عيون الصدر، فخلافه وحلفاء إيران عميق وجذري، إذ أن الصدر أعلن مرارا أن مهمة الحكومة المقبلة سيكون حلّ كل الميلشيات في البلاد، وحصر استخدام القوة بأيدي المؤسسات الأمنية التي تأتمر بأوامر الحكومة المنتخبة.

ومن شأن حلّ الميليشيات أن يقوّض نموذج الجمهورية الإيرانية المبني على دولة رديفة زعيمها المرشد وجيشها الميلشيات وتدير الدولة المنتخبة وجيشها الضعيف من وراء الكواليس، وهو النموذج الذي فرضه الإسلام السياسي الشيعي في إيران، وبعدها في لبنان واليمن، وما زال يسعى لفرض النموذج نفسه في العراق.

هكذا، تصبح كل سياسة نظام إيران في العراق ولبنان مبنية على ضمان بقاء الميليشيات، وهو وجود محفوف بالمخاطر القانونية لعدم دستوريته، وهو ما يدفع طهران دائما أما إلى محاولة الفوز بالانتخابات والسيطرة على برلمانات وحكومات الدولة التي تسعى لاستتباعها، أو – في حالة خسارة الانتخابات – تعطيل العملية الدستورية ووقف تشكيل الحكومات وعرقلة صدور القرارات بحلّ الميليشيات.

وفي التجربة اللبنانية، بعد خسارة “حزب الله” الانتخابات وإصدار الحكومة المنتخبة قرارات بحلّ جوانب ميليشيا الحزب، لجأ الحزب للعنف في جولة سريعة من العنف ضد خصومه.

والعنف لدى إيران هو آخر الحلول، يسبقها محاولات التعطيل، مثلما عطّلت إيران انتخاب رئيس لبنان وانتخاب برلمان. ويعطّل اليوم “حزب الله” انعقاد مجلس الوزراء اللبناني لإجبار قضاء لبنان على التوقف عن تحقيق قد يظهر فداحة تخزين الأسلحة التي أدت لانفجار كارثي في مرفأ بيروت قبل عامين.

في العراق، الصدر يعي مناورة طهران ويرفضها من مبدأ وطني، وبالاستناد إلى دعم شعبي هائل أهداه أكبر كتلة للقيام بمهمة حلّ الميليشيات. في جلسة افتتاح “مجلس النواب” الجديد، انسحب رئيس السن الموالي لطهران، ولما لم تتوقف الجلسة، انسحب نوّاب “الإطار”، ولكن قلّة عددهم لم تكسر النصاب، فاستمرت الجلسة، وأعادت انتخاب السني محمد الحلبوسي رئيسا للبرلمان للمرة الثانية، على الرغم من معارضة طهران له، وتم انتخاب نائبين له، واحد شيعي من الكتلة الصدرية وثان كردي من “الحزب الديموقراطي الكردستاني” المناوئ لنظام إيران.

هكذا بدأت ملامح تحالف عراقي وطني جامع تتشكل بدون أزلام إيران، وهو ما أغضب طهران، فعمد أزلامها فورا إى تصدير تغريدات هددوا فيها بالحرب الأهلية في حال سار العراق بدونهم. وفي الأيام التالية، تعرض مقرّ حزب الحلبوسي لهجمات بقنابل يدوية، كما تعرض مقرّ الحزب السني الثاني، والتابع لخنجر خميس، إلى هجوم بمسيرة مفخخة، وكذلك تعرضت مكاتب “الحزب الديموقراطي الكردستاني” لهجمات، وتعرضت البيشمركة الكردية في الشمال الى هجمات بالصواريخ، ونجا قيادي في الحزب الكردي من عملية اغتيال في بغداد.

وكانت الميليشيات الموالية لطهران أعلنت مسؤوليتها قبل أشهر عن محاولتها اغتيال رئيس حكومة تصريف الأعمال مصطفى الكاظمي لأنه، بسبب عدم ترشحه للانتخابات، بدا حياديا وعاقلا وموزونا، وتاليا أسبغ مصداقيته على الانتخابات التي رفضتها إيران.

هذه المرة، يقف مقتدى الصدر عقبة في وجه محاولات طهران الإبقاء على ميليشياتها في العراق، وهو ما يعني أن حياة الصدر مهددة.

ومن نافل القول إن شيعية الصدر لا تحميه من العنف الإيراني، إذ أن لطهران تاريخ طويل في استهداف رجال دين شيعة ممن هددوا النفوذ الايراني. ويعتقد البعض أن للثورة الخمينية دور في اختفاء رجل الدين اللبناني موسى الصدر (من أبناء أعمام مقتدى الإيرانيين).

أما الأدوار الإيرانية الأكثر وضوحا فكانت في مقتل عبدالمجيد الخوئي، نجل المرجع الراحل أبو القاسم، وبعد ذلك اغتيال رجل الدين محمد باقر الحكيم، على إثر عودة كل منهما الى العراق. وكان كل من الرجلين يتمتع بشعبية شيعية عراقية واسعة، وكذلك بعلاقات مع واشنطن، وهو ما هدد مشروع سيطرة نظام إيران على العراق.

مقتدى الصدر هذه المرة تجاوز الخطوط الحمراء للنظام الايراني، وهو أن مضى في تشكيل حكومة غالبية برلمانية، بدلا من حكومة “الوحدة الوطنية” المفروضة إيرانيا، قد تصبح حياته في خطر، وهو ما يبدو أن الرجل يدركه إذ هو قلّص من ظهوره العلني، وانتقل إلى الحنّانة في النجف، حيث تسود ميليشيات حماية المراقد التابعة للمرجع علي السيستاني، وهي ميليشيات محلية دفاعية لا تمارس أعمال بلطجة أو محاولات للاستيلاء على الدولة كنظيرتها الولائية.

من المتوقع أن يكبّد الصدر، ومعه عراقيون من كل الأطياف والألوان، طهران وأزلامها في العراق خسائر برلمانية وحكومية وسياسية تصل حد حلّ الميلشيات، وهو ما قد يؤدي إلى حرب ميليشياوية ضد دولة العراق، وهو ما سيمتحن العراقيين وقدرتهم على اجتثاث سرطان الميليشيات، الذي أدى الى موت لبنان، قبل أن يستفحل هذا السرطان ويقضي على العراق كذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى