واشنطن – تل أبيب .. لمن اليد العليا ؟
إميل أمين

بعد ساعة واحدة  من إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، كانت الولايات المتحدة الأمريكية أول دولة تبادر بالاعتراف بها، ومن ساعتها أضحت واشنطن الغطاء الذي يظلل تل أبيب، في الصيف والشتاء، في العسر واليسر، ظالمة دوما، غير مظلومة أبدا.

طوال نحو ثمانية عقود والتساؤل يتردد: من له اليد العليا في تلك العلاقة؟

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

حين نعود بالذاكرة إلى العام 1956، وزمن حرب السويس، نتذكر موقف إيزنهاور من إسرائيل وفرنسا وإنجلترا، وقد كان المشهد نقطة انطلاق لرؤية اللوبي الداعم لدولة إسرائيل في الداخل الأمريكي.

حين أرغم الرئيس الأمريكي وقتها إسرائيل على الانسحاب من السويس، وعد بن جوريون رئيس الوزارء الإسرائيلي شعبه بألا يتكرر سيناريو الضغط الأمريكي هذا مرة أخرى، ومن هنا عمل على تقوية الحضور الإسرائيلي في الوسط السياسي الأمريكي، فقد آمن الرجل بأن أي كونجرس قوي قادر على أن يدمر دولة إسرائيل، بأكثر مما تفعل دول الطوق العربية مجتمعة.

طوال نحو ثمانية عقود نجحت إسرائيل في أن تخلق لها كيانا  موازيا من جماعتين أمريكيتين كبيرتين، تخدمان مصالحها في أي وقت وكل وقت، الأولى من يهود أمريكا، وتحديدا من أقصى اليمين، والثانية من التيار اليميني المسيحي الأصولي، والذي يرى في إسرائيل كمال التنبؤات التوراتية، ومن هنا يتحتم دعمها حتى آخر الطريق.

كانت هذه لمحة سريعة تبين كيف أن إسرائيل دولة متجذرة في العمق الروحي والسياسي للولايات المتحدة الأمريكية منذ زمان وزمانين، واليوم يطل من نافذة الأحداث تساؤل مثير: هل بدأت تل أبيب تفقد قدرتها في التأثير على واشنطن كما كان الحال في سابق الأيام؟

ليس سرا أن إشكالية البرنامج النووي الإيراني هي السبب الرئيس في طرح علامة الاستفهام المتقدمة، وبخاصة في ظل  حكومة الرئيس جوزيف بايدن، حيث اختلفت بوصلة البيت الأبيض، عما كانت عليه قبل أربع سنوات، أي في زمن سلفه دونالد ترامب.

باختصار غير مخل، ترى إسرائيل أن فكرة إيران نووية، هي المكافئ الموضوعي لهولوكوست جديد تعيشه دولة إسرائيل في القرن الحادي والعشرين، وأن هذا سيناريو لا ينبغي السماح به في أي وقت من الأوقات.

لا تثق تل أبيب في ملالي إيران، وهي تدرك أنهم يدبرون شؤون حياتهم بقاعدة التقية الفقهية، تلك التي تسمح لهم بالمراوغة وتسويف الوقت، وصولا إلى هدفهم الرئيس المتمثل في حيازة السلاح النووي.

طوال الأعوام الأخيرة لم تقصر أجهزة إسرائيل الاستخبارية في فضح المنظومة النووية الإيرانية، وقد بلغ بها الأمر حد سرقة مستودع الوثائق السرية للبرنامج النووي الإيراني، مرورا باغتيال علماء الذرة الإيرانيين، وصولا إلى الاختراق الذي جرى لمفاعل ناطانز، سواء كان العمل التخريبي الكبير ناجما عن زرع متفجرات في جسم المفاعل، أو من خلال هجوم سيبراني خفي دمر العديد من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة.

إلى هنا بدأت في غالب الأمر مرحلة تصارع الإرادات، والتي ستبين في نهاية المشهد من له الغلبة والكلمة المسموعة، بل واليد العليا.

في الأيام القليلة الماضية أماطت أكثر من وسيلة إعلامية إسرائيلية اللثام عما جرى بعد حادث ناطانز، وتمثل في رسالة أمريكية شديدة اللهجة، تكاد تحذر إسرائيل من العبث مع إيران، بدعوى أن تلك الأفعال يمكنها أن تعرقل المفاوضات الجارية في فيينا بشأن برنامج إيران النووي.

هل هناك ما تخشاه تل أبيب من نجاح تلك المفاوضات؟

نهار الأحد الماضي كان الكابينت الإسرائيلي، مجلس الأمن المصغر، ينعقد بعد شهرين من التوقف، ليناقش مجريات الشأن الإيراني في تشابك خطوطه وتداخل خيوطه مع واشنطن وسيد البيت الأبيض الجديد.

مخاوف إسرائيل تتمثل في التنازلات التي تقدمها  إدارة بايدن يوما تلو الآخر للإيرانيين، والركض وراءهم لتحقيق إتفاق بدون أي ثمن على  تعبير تل أبيب.

يخشى الجانب الإسرائيلي أن تكون واشنطن مسرعة في تهدئة الوضع الساخن والقابل للانفجار مع طهران من أجل التفرغ  للهدف الأكبر والأخطر، المواجهة مع الصين، تلك التي حذرت التقارير الاستخباراتية الأخيرة من كونها العقبة الحقيقية في طريق القرن الأمريكي والهيمنة على العالم شرقا وغربا، فيما  تحقق طهران المزيد من النجاحات النووية الخفية، والتي تمكنها  من إدراك مرادها النووي، هذا إذا لم تكن قد أدركته حقا، والعهدة هنا على الراوي، مجلة ناشيونال ريفيو الأمريكية.

تدرك إسرائيل أن أي اتفاق أمريكي ـ إيراني، لن يكون أكثر من فترة تأجيل لحيازة إيران للسلاح النووي، وهو ما أدركه ترامب من قبل، فقد كان السقف الزمني 2025 وبعدها يمكن لإيران أن تفعل ما تشاء، ولهذا فإن وجهة النظر الإسرائيلية لا تتفق مع نظيرتها الأمريكية لتضارب المصالح، ولاهتمام واشنطن بملفات أكثر خطورة وسخونة، ليس أقلها الوضع المشتعل في أوكرانيا، والإحتمالات المفتوحة على كافة السيناريوهات، ومنها الصدام العسكري.

خلال الأسابيع القليلة المقبلة، سوف تشهد واشنطن وفدا إسرائيليا رفيع المستوى يضم كلا من مستشار الأمن القومي الإسرائيلي مائير شبات، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي  أفيف كوخافي، ورئيس المخابرات الإسرائيلية تامير هايمان، ورئيس الموساد يوسي كوهين.

يبدو الوفد الإسرائيلي المنطلق إلى واشنطن وكأنه مجلس حرب مصغر يعد لقرار شبه نهائي أو نهائي، مع الأخذ في عين الاعتبار أن الكيمياء بين الرئيس بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو ليست على ما يرام منذ البداية.

السؤال المثير والخطير: كيف ستتصرف تل أبيب في حال تشارع وتنازع الإرادة مع واشنطن؟

الجواب حكما سيحسم قضية اليد العليا والتأثير الفاعل بل وجدلية العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية برمتها مرة وربما إلى آماد بعيدة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى