والي وهران وثمار التنكيل الطويل بالعقل السياسي!
بشير عمري

عود على بدء، طالما أن اشكالات السلطة التنفيذية أخذت تنضاف إلى مشكلاتها السياسية فهي لا تنفك تكبوا وتتعثر في كلا تجاه بسبب فقدان البوصلة وانعدام التناغم الاستراتيجي في تسيير البلاد الذي لا يتأتى بغير القبول المتبادل لكل مكونات المجتمع السياسي وانخراط الجميع في مسار محدد ومؤكد لبناء نظام جديد صارت حاجة البلد إليه ألح من حاجة المختنق للأوكسجين.

الحدث تصنعه معلمة عرت الجسم التنفيذي للبلاد خطابا وممارسة في نقاش حاد مع مسئول تنفيذي محلي (والي) بشأن منضدة تمدرس مهترئة صورتها بصغة المبالغة المستعملة في المجتمع للتأكيد على فداحة أمر ما – صورتها – بأنها من عهد الاستعمار، وهي الصيغة التي استغلها الوالي ليتنصل من حصار المعلمة له والمأزق الذي وضعته ووضعت السلطة فيه، فبدلا من أن يتحدث في جوهر المشكلة راح يناقش ويناقض المعلمة في عمر المنضدة، ليعيد من خلالها (المنضدة) الاعتبار لدولة الاستقلال التي بذلت جهودا كبرى لدعم التعليم كما جاء في التوضيح الذي صدر عن ديوانه .

ما حقيقة هاته الزلات التي يقع فيها مسئلون على مستويي الادارة والسياسة في البلاد؟ لماذا لم تكن هاته الظاهرة (الكلامية) سائدة حتى في عصر الغم والعتم السياسي والاعلامي في سبغينيات وثمانينات القرن الفائت؟.

ما يستلزم التنويه إليه بداء، هو أن اللغة حلة الخطاب والخطاب هو جسد الفكر وصنمه المتجلى، فإذا ما ارتكست اللغة صارت الحلة معها اسمالا قديمة على جسد مهترئ يسوء الناظرين، وهذا ما أصبح عليه واقع حال المسئولية في الجزائر على نطقيها السياسي والتنفيذي.؟

كان منصب الوالي في أتعس فترات الحكم الأحادي البائد يجمع بين الصفة التفيذية والسياسية (الحزبية) لهذا كان يتمتع بلغة مزدوجة تقيه شر الزلل اللساني الذي عم وطم اليوم حتى غدا قاعدة ونقيضه الثبات والحكمة استثناء في آداء الوزراء والولاة وكل المسئولين في أجهزة الدولة، في زمن صارت الزلة فيه تنكشف بسرعة للعالم كله قبل أن يرتد لصاحبها طرفه!

ازدواجية لغة الأوائل من مسئولي الدولة (لا ازدواجية خطابهم) كانت توفرها لهم الثقافة السياسية التي تلقوها داخل الحزب الواحد على علات ومصائب والعيوب الحزب الواحد، لكن ليس من مؤسسة أجدر وأقدر على تكوين السياسي من مؤسسة الحزب، هكذا قضت واقتضت بنية الدولة الحديثة في اطار وظائفية المجتمعية، فليس كل متعلم مسيس، ومثلما هي الحاجة إلى كفاءة الاطار المتعلم في كبرى المعاهد والكليات في تولي المسئولية التنموية للبلد تظل الحاجة إلى كفاءته السياسية التي لا تتأتى إلى من خلال مؤسساتها التنشيئية الحزبية.

وهنا يبرز ممكن الرزية للنظام الحاكم منذ الاستقلال، فهو بعد أن ظل عقود يهمش السياسي الأحادي في نطاق نموذجه الازدواجي (سلطة الظاهر الشكلية وسلطة الباطن الفعلية) وجد نفسه غريبا في التحول إلى التعددية التي لا يفهمها أو يتفهمها لأنه ببساطة، وعلى شاكلة نظام الاعلام الآلي، لا يمتلك برنامجها (programme) وهو المشكل الذي عوض أن يسعى إلى حلحلته بأن يبرمج نفسه من جديد وفق التحيينات ( mise à jour) التي تشكل عصب كل النظم والمنظومات في عالم اليوم، فضل في مناطحة للمنطق، أن يدخل الجميع في (تحيينه) وبرنامجه الخاص، وهو ما أفضى إلى عطب كبير لمنظومته ولكل منظومة المجتمع.

وهكذا جردت الأحزاب من أبرز مهماها وهي تكوين الاطارات والادمغة سياسيا، فأصاب العقم مجتمع السياسة، عقم سيعالجه النظام بالدفع برجالات الادارة إلى مناصب سياسية وحكومية يتولون فيها المهمتين في وقت يعانون هم من روح وثقافة السياسة وما توفره للمسئولين من أبجديات وأدبيات في الممارسة والخطاب.

وحتى السياسيين الذي انتدابهم أو بالاحرى جذبهم من حوزاتهم ومؤسساتهم الحزبية، لم ينتدبهم لكفاءتهم العلمية أو المهنية بل لاستعمالهم في عملية تكسير تلك الأحزاب من داخل حتى لا تتطور وتشكل بديلا حقيقيا له في المنظور الشعبي.

هي إذن ثمار مرة سنوات لعقود ثلاث من التنكيل والتعطيل للعقل والحقل السياسيين، يجنيها المجتمع ويجليها مسئولون قطاعيون وتنفيذيون وسياسيون حكوميون جُردوا من مناعة الثقافة السياسية فظهروا عرايا في نطاق المسئولية خطابا وممارسة، يثيرون ضحك الكثيرين وشقفة القليلين وصدمة من فاضت غيرته واعتصر الحزن قلبه على وطن لم يُكتفى بتخريب وتهريب ثرواته الطبيعية بل بتدمير ثروته الرئيسة وهي الانسان، العقل والأمل.

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى